.
.
.
.

كلنا يا عزيزي متصارعون..!

سكينة المشيخص

نشر في: آخر تحديث:

ما حدود إبداء الرأي؟ ثم ما حدود الرأي الآخر؟ سؤالان متداخلان على ذات القياس والمسافة، ولكن الإجابة في كثير من حيثيات الواقع تقودنا الى أضرار بالغة في الحوار الشخصي على كافة الأصعدة، حتى أن الفرد حينما يحاور نفسه ربما ينتهي الى جدل وصراع ذاتي، رغم أنه يفترض في حالة تفكير، فالإنسان يفكر حينما يتحدث الى نفسه، ولكن حين ينتج حوارا داخليا مفتوحا بين الرأي والرأي الآخر فإنه في بعض الحالات لا يصل الى قناعة أو يستقر على فكرة، وإنما يخرج بصراعه الى الخارج قبل أن يحسم ذلك الحوار، وبالتالي يتجه الى إسقاط سلبي في محاورة الآخرين.

في العمليات التفاعلية في المواقع الاجتماعية يبدو الجميع على نسق «كلنا يا عزيزي متصارعون» لأن الحوارات التي تتم في الإطار التفاعلي حول المادة الحوارية، إما أن يغلب عليها التعجل في استيعاب مجرياتها أو يتطفل عليها أحد بمداخلات تشبع التشاحن وتلويث الفكر والمادة الحوارية بالصراع، لذلك فإن عدم توازن الرأي والرأي الآخر وغياب الاحترام الذي ينبغي أن يؤسس لفتح المناقشات وإثرائها وصولا الى قناعات إيجابية أو التمسك بالرأي الخاص، يصبح هو السائد في تفاعلات المواقع الاجتماعية الافتراضية ومن ثم تنتقل للأسف للواقع الحقيقي، ليتحول الحوار الى جدل يفتقد الكثير من أدبيات الحوار الهادف.

لا يمكن، ولا يتصور أن يدخل أحد ما حوارا أو حالة تفاعلية حول محور من محاور النقاش وإبداء الرأي وكأنها ساحة معركة يجب أن تنتهي بانتصار أدبي أو معنوي أو فكري، تلك ليست مهمة أي حوار، وإنما هي حالة نرجسية تفترض بداهة بعلو رأي الفرد على ما عداه من آراء، أي أننا بذلك نميل الى وضع متطرف في المنظور الفكري، وهذا أس الداء العقلي والذهني الذي يتطلب مراجعات، لأن الحوارات عبارة عن شغل عقلي ليس فيها منتصر وخاسر، وإنما هي عملية إثرائية إما أن تغير قناعة أو تحتفظ بأخرى دون أن تتأثر المجريات بإسقاطات سالبة تعزز الشحن النفسي وتنتج عداء وعنفا لفظيا ومعنويا.

كثير من مسببات الصراعات المجتمعية وعمليات التمايز والتمييز والتصنيفات وفرز الأطياف تهدد أي نسيج اجتماعي وتحرم المنظومة الاجتماعية من استقرارها وتطورها الاجتماعي والمعرفي، وفي مقدمة ذلك ضعف وتشويه الحوار الذي قد يتلوث بالفعل بإفرازات تسيء للأطراف المتحاورة، ولو أن أحدا افترض وجود طرف آخر على النقيض من ذاته وجلس يحاوره لتوصل الى اكتشافات أكثر أهمية وقيمة لذاته دون أن ينحرف بمنتج الحوار الى تلك المساحة والهوة السحيقة من العداء والاستعداء والصراع والتعديات غير المبررة.

*نقلاً عن "اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.