.
.
.
.

ما بعد البدلات والعلاوات

أحمد السيد عطيف

نشر في: آخر تحديث:

طبيعي أن يتألم المواطنون من القرارات الصادرة بخصوص إلغاء أو إيقاف بعض البدلات، وحتى الآن لم يجدوا ما يسلّيهم إلا مسألة الأبراج السماوية التي طلعت بها وزارة المالية، فأفرغوا فيها شحنة الغمّ، ووجدوا أيضا في مقاطعة شركات الاتصالات مَفرَغاً آخر لهمومهم، ثم فتح الله عليهم بلقاء الثامنة مع داود فكان مسليا لهم بقدر ما أثار الوزراء الخوف والقلق في نفوس الناس.
القرارات صدرت وانتهى الأمر، وصارت موضع التنفيذ، ولا ينفع الالتفات للوراء، فالمواطن ينظر الآن للأمام، وينتظر تعويضا عمليا يقنعه أن القرارات هي للصالح العام.
عامة المواطنين بحاجة لمن يطمئنهم على مستقبل البلاد وملاءتها المالية، فهم يربطونها بعوامل انخفاض سعر البترول الذي لا يعلمون متى سيرتفع مجدداً، وبعوامل الحرب التي لا يعلمون متى ستنتهي، وبالتالي فهم خائفون على المستقبل القريب، على أنفسهم وعلى بلدهم، ومن حقهم أن يحصلوا على هذه التطمينات، حتى لا يسري فيهم إحباط أو يأس أو خوف.
بعض أساتذة الجامعات طارت منهم 10 آلاف ريال كان قد رتب أموره وقروضه عليها، وهو في ذلك لا يختلف عن الموظف الذي طارت منه ألف ريال أو 500 ريال، ولذلك فهم مضطرون لأن يعيدوا ترتيب أمورهم بناء على الواقع الجديد، وينتظرون من البنوك أن تعيد جدولة قروضهم بما يتناسب مع دخلهم الجديد وبما لا يضرهم.
مع نقص الدخل الشهري للموظف فإن الخوف أن تزيد نسبة الفساد ليعوض الموظف الفاسد ما راح منه، على الجهات المعنية بأداء الموظفين وضع هذا في اعتبارها أكثر من أي وقت مضى.
المواطن ينتظر تعويضا عمليا على أرض الواقع يتمثل في جودة الخدمات وصرامة الرقابة الإدارية والمالية.
من يدفع الرسوم في خدمة ما كالكهرباء فهو يتوقع أن تكون الخدمة كاملة غير منقطعة مثل رسومه، (بالمناسبة عندنا في قرى جيزان فواتير الكهرباء مرتفعة بشكل فاحش، أنتم مثلنا؟) ومن يدفع رسوم السير فهو يتوقع أن تكون الطرق مثالية، (بالمناسبة طرقنا في جيزان من أسوأ الطرق في المملكة).
يتوقع المواطن أن تنخفض خلال شهرين أسعار السلع تبعا لانخفاض الدخل، مثلما ارتفعت بنسب عالية يوم ارتفع دخله الشهري قبل سنوات بنسبة 15 %.
يجب أن يجد المواطن ما يعيد له توازنه وحلمه وتفاؤله، إذ لا يمكن أن نحقق التنمية الطموحة ورؤية 2030 إلا بمواطن متوازن يملك ثقة وحلما وتفاؤلا.
ليست البدلات والعلاوات هي وحدها ما تنهك ميزانية البلد، بل هناك الفساد الإداري، المشاريع المليارية التي تنفذ بأسوأ المواصفات بعد بيع عقود تنفيذها من مقاول إلى مقاول إلى ثالث وعاشر (الطرق، الصرف الصحي، المستشفيات... الخ)، ثم يظهر سريعا مع أول رشة مطر أو مع مرور شهور أو أعوام قليلة أنها غير صالحة ثم يعاد الصرف عليها لترميمها بنفس الطريقة، عقود مباعة أكثر من مرة. سأتبرع باقتراح في عملية الترشيد هذه إلى وزارة الشؤون البلدية يخص الطرق التي تنفذها البلديات داخل المحافظات والقرى ثم تشقها بلدوزرات وحفارات شركات الكهرباء، وتعيد ترقيعها ثم تشقها مرة أخرى حفارات وبلدوزرات شركة الاتصالات، وتعيد ترقيعها ثم تشقها حفارات وبلدوزرات وزارة المياه وتعيد ترقيعها، حتى صارت حفرا وأخاديد تضر ولا تنفع، وأحيانا تتركها بلا ترقيع اعتمادا على تسامح المواطن وتراخي الجهات التي تدفع استحقاق المقاولين، هذه الطرق صارت تعيق الحركة وتسبب أضرارا لسيارات المواطنين المتضررة ميزانيتهم أصلا، وتتسبب في الحوادث الكثيرة أصلا، وهي سبب مباشر لاتهام الناس قطاعات البلديات بالفساد المتأصل؛ أقترح قلع الإسفلت نهائيا من هذه الطرق وإعادة ترابها الأصلي، نفهمها ونحفظها ونعرف نسير عليها بلا مفاجآت ولا تضررات، ثم تبقى ترابا حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.
ليس للمواطن إلا أن يتقبل قرارات الحكومة، لكن كيف يتقبل قرارات الشركات والمقاولين ومقدمي الخدمة؟
مقابل ضرر القرارات ينتظر المواطن خدمة ممتازة وأسعارا معقولة ورقابة إدارية ومالية على المال العام. وهي فرصة مواتية جدا لتمرير السكين على رقبة وحش الفساد. والفرص لا تتكرر.

*نقلاً عن صحيفة "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.