.
.
.
.

يرسلوننا للموت ويستمتعون بالحياة

فهيد العديم

نشر في: آخر تحديث:

خلال الأسبوع الماضي كانت الدنيا تتناقل مقطع فيديو لا يتجاوز الدقيقتين، لكنه يختصر كل وجع الكون وآلامه.

المشهد ليس جديدا، وهنا مكمن الوجع، أمام الكاميرا يظهر رجل دين "شيخ" سعودي، وبجانبه فتى "سعودي أيضا" لم يبرح أول منازل المراهقة، وبابتسامة مصطنعة تحمل كل قبح الكون، يوجّه الشيخ كلامه إلى والدة الفتى مهنئا، واختزل كل الآخرة في حور عينٍ ينتظرن الفتى، ثقته بل غروره السرمدي الذي يغلّفه بابتسامة قبيحة وكأنه يقوم بدور "رضوان، ومالك معا"، يسأل الله أن تكون العملية "يقصد العملية الانتحارية" مثخنة للأعداء، يشاركه الفتى الضحية بابتسامة بلهاء أقرب للذهول، ويدير ظهره للحياة، فيما يبقى شيخه متشبثا بالنظر إلى الكاميرا/ العين الناقلة للحياة، رمزية المشهد الأخير، بين شاب يذهب إلى الموت لأن شيخا قال له: هناك الجنة، وبين شيخ ينظر إلى قادم آخر يرسله إلى الجنة التي يبدو هو عازفا عنها، رسالة تحمل آلافا من الأسئلة المخبأة والحارقة، كحزن الأمهات الطويل.

أخشى أن نكون جميعا اعتدنا على مثل هذه المشاهد، وأخشى أكثر أن تكون هذه المشاهد لا تُوجع ولا تُلفت ولا تُحزن، ولا تثير نقع الأسئلة، مجرد مشهد عابر يذوب سريعا في جعجعة قضايا أهم كالصراع الحزبي، ولون عباءة المرأة، والهروب سريعا للتحذير من الليبرالية والعلمانية والتغريب والديمقراطية، وكل الأشياء التي لا نعرف عنها أي شيء!

المشهد الذي حدث أمام الكاميرا هو نتيجة، ومشكلتنا دائما أننا نناقش النتائج ونتجاهل الأسباب التي أدت إليها.

بالنسبة لي، فإن الأكثر وجعا؛ أن الفتى المراهق الذي ذهب إلى الموت سعودي، ومن شجّعه على الموت وابتهج برؤيته وهو يلقي الحياة كلها خلف ظهره للشيخ هو سعودي أيضا، يمكننا إن أردنا الهروب أن نقول إن هذا الشيخ "لا يمثلنا" وهو "خارجي" و"مغرر به"، وغيرها كثير من الأعذار الساذجة.

فالشيخ عاش في بيئة متدينة، ودرس حتى حصل على درجة أكاديمية رفيعة من جامعة سعودية "إسلامية"، أي أن تهمتي الجهل والتغرير تهمتان ندرك نحن قبل غيرنا تهالكهما.

إذن، من الذي أقنع شيخا بهذا الحجم أن فئتين تُقاتلان بعضهما في دولة أخرى، بأن إحداهما هي عدونا "الديني" فنذهب إلى دول العالم لنقتل هذه الفئة ونبيدها؟ لماذا نحن السعوديين مطلوب منا أن نموت لأجل قضايا الآخرين؟

أعلم أن هنالك من يقول: لسنا وحدنا من يذهب بعض شبابه إلى مناطق الصراع، وهذه وسيلة من وسائل الهروب، وهي أشبه بأن تجيب عن سؤال أحدهم عن سبب تعاطي المخدرات، بأن كل دول العالم لديها مدمنو مخدرات!

والسؤال بشكل أكثر مباشرة وبساطة: ما الذي يجعل الشاب السعودي يتقبل ببساطة فكرة الذهاب إلى مناطق الصراع؟ علما بأنه الأكثر على مستوى العالم الذي يتلقى دروسا دينية على الطريقة الصحيحة حسب زعمنا؟

هل شخصية الشاب السعودي ساذجة وسهلة الانقياد، أم أن تعليمه -الرسمي وغير الرسمي- جعله الأكثر عاطفة لأي دعوة مغلّفة برداء ديني؟
والسؤال الأهم: هل علماؤنا يرون ذلك جهلا وغباء، أم نعود إلى الإجابة المواربة: "عمله خطأ لكن النوايا علمها عند الله ونسأل الله أن يتقبله شهيدا"؟

ندرس المواد الدينية، لكن هل نعلم أيضا أن الاستخبارات العالمية تقرأ دروسنا نفسها؟ الفرق أننا نقرأ ونحفظ، وهم "يفهمون" وينفذون!، والمؤلم أن هذه الأسئلة ما زلنا نلوكها منذ سنوات، وللأسف في كل صراع في دول الجوار وحتى الدول البعيدة، تعود الأسئلة بنفس جِدتها، ونبقى نحن كما كنّا نتوارى خلف إجابات مواربة، وأبناء يتساقطون، يرسلونهم إلى الجنة الشيوخ الذين لا يريدون الشهادة!.

*نقلاً عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.