.
.
.
.

يا منتخبنا يا محقق الآمال

عادل الكلباني

نشر في: آخر تحديث:

الإبداع كلمة حُببت إلى النفوس، فهي تعني خلاصة الطاقة البشرية وخلاصة مجهود متفان في إبراز الموهبة، وليس ذلك بدعًا في مسيرة بني البشر، فلو أتينا إلى حصر الإبداعات البشرية لما اتسع لذلك كتاب فضلاً عن مقال، وتختلف تلك المواهب بين الفردية والجماعية في شهرتها وظهورها، ولكل زمان ما يناسبه من شهرة تلك المواهب، ونخص هنا الألعاب الرياضية وعلى الأخص منها كرة القدم، تلك اللعبة التي اكتسحت الجماهير على حد سواء، الغربي والعربي، ولم يكن لها تأريخ عميق من حيث القِدَم، فهي حديثة الممارسة، لكنها تفوقت على كل ما يدانيها ويقاربها من الألعاب، فحين بدأت، بدأت كغيرها محصورة بمكان وأشخاص ومرتبطة بحدث من الأحداث، لكنها توسعت حتى أسست لها الاتحادات وأنشئت لها الملاعب والصالات، وتبنتها شخصيات ومحطات وقنوات وشركات، وأصبحت توفر فرص عمل لكثير من الشباب؛ بل والشركات، وربما صارت مصدرًا للدخل القومي في كثير من الدول، وفوق ذلك لم تأت "كرة القدم" مجردة عن المقاصد الإنسانية الروحية، فقد أصبحت متنفسًا لكثير من جماهير العالم يرون فيها فسحة من ضيق الحياة، واستراحة بعد عناء العمل الدؤوب في طلب حاجات المعيشة، فتأتي كرة القدم بمعانيها الجميلة لتجمع ما فرقته السياسات بين الشعوب، وتلغي عن ميدانها الفوارق الاجتماعية فالفقير فيها والغني يتساوون في الاستمتاع والمشاهدة، ويتبادلون كلمات الإخاء في قالب التحدي والمنافسة، والخسران فيها ليس كالخسران في ساحة حرب يعدد قتلاه ويحصي خسائره، بل يتعانق فيها الغالب والمغلوب ويسمونها "الروح الرياضية" التي لا تعرفها كثير من ساحات التنافس.

كل ذلك لا يخرج عن "دائرة المباح" في الأحكام الخمسة في الفقه الإسلامي، فهي لعبة كغيرها من الألعاب التي قد يشجعها الإسلام لما تتضمنه من مقاصد إن أُحسِنَ فهمها والتفاعل معها، وحين نرى كرة القدم بهذه الصورة من الانتشار والتقنين والترتيب، فهذا يتناسب مع الزمن الذي اشتهرت فيه هذه اللعبة، فنحن دائمًا نقول: "إن الانفجار السكاني الذي تشهده الأرض في الأزمنة الأخيرة، يتطلب التريث والتمعن في كثير من الأحكام الشرعية المتعلقة فيه"، فهذا الترتيب والتقنين شيء مطلوب في كل شيء وإن كان مجرد لعبة -إذا سلمنا بذلك- فوجود الملاعب والأندية والاتحادات شيء حتمي لاستيعاب تلك الجماهير وتلك الجموع من الشباب الموهوبة المقبلة على ممارسة كرة القدم، وإلا أصبحت الفوضى الشبابية والرياضية تؤثر سلبًا على المجتمعات، ولم يكن لكرة القدم هذا الزخم الواسع الذي ارتقى إلى مرتبة التمثيل الوطني للدولة.

إننا حين نسمع بـ"مشكلة" ولو شغبًا يسيرًا في ملعب من الملاعب، يسوؤنا ذلك كثيراً؛ لأنه شيء يصادم أخلاقيات الإسلام التي تتحلى بها منتخباتنا ونوادينا، وتنافي المقصد الأهم من رياضة كرة القدم، فيجب أن تبقى كرة القدم مجمعًا للشباب وللجماهير ككل، فكيف إذا سمعنا بحدث إجرامي في أوساط جماهير غفيرة، فإن ذلك لا شك مما تدمى له القلوب وتستنكره الفطر والأفئدة السليمة، فما هو المسوغ لمثل هذه الأعمال الإجرامية الشريرة غير استهداف الوطن وزعزعة الأمن وإقلاق السكينة، بل وإرضاء أعداء الأمة!

وما إحباط عملية محاولة التفجير قرب ملعب الجوهرة مؤخراً إلا خير شاهد على تفكير تلك العقول العدائية المنحرفة، ولكن بفضل الله ثم بيقظة الأمن فُضحت وضبطت تلك الأيادي التخريبية.

فمن هو المستهدف في ملعب الجوهرة؟ آلاف الجماهير المسلمة وعشرات اللاعبين، الذين يستمتع الناس بمهاراتهم وإبداعاتهم، وبغض النظر عن كونه منتخبنا أو منتخب دولة أخرى شقيقة فالكل في عالم الرياضة شيء واحد، يجمعهم المستطيل الأخضر لأداء رسالة ممتعة تتجاوز الانتساب والعرق واللون، فحظًّا وافرًا لكل رياضي يحب إدخال المتعة في نفوس محبيه، وحظّا وافرًا لمنتخبنا الموهوب في تمثيل الوطن بالروح العالية والأخلاق النبيلة، ولا وفق الله كل من يسعى لزعزعة الأمن وأذية المسلمين.

تجرأت هذه النفوس المريضة بالحقد والكراهية والبغضاء حد الإنسانية من كل جوانبها، حدا لا يبلغه تصور عاقل بل أن يكون مسلما تقيا ورعا!

فما عسانا أن نقول وبيوت الله وشعائره لم تسلم من يد غدرهم، حتى مسجد رسوله صلى الله عليه وسلم وبيته الحرام!

إن المشهد الحاضر بين الأعين المبصرة للحقيقة والخبر الذي تسمعه الأذن العاقلة ليبين بما لا يدع مجالا لتأويل أو عذر سوى الحقد والجهل المركب واتباع الهوى حتى سعوا للتجمع الكبير من الجماهير الشابة والواعدة التي تجمعت في ملعب كرة القدم لتهلكها وتقدم دماءهها قربانا للشيطان، الذي أغواهم وزين لهم أعمالهم، ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا! ذلك هو الضلال البعيد.

نقلاً عن الرياض

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.