.
.
.
.

ردا على نيويورك تايمز..هذه جذور الصدام السعودي الإيراني

نشر في: آخر تحديث:

يتجاهل أو يجهل العديد من الكتّاب والصحافيين في أميركا والغرب عموماً، الأبعاد التاريخية وأسباب وجذور الصراع الإيراني - السعودي، وغالباً ما يقومون بتلخيصه على أنه صدام بين الدولتين حول سياسات توسيع نفوذ كل منهما في المنطقة دون الأخذ بعين الاعتبار طبيعة التصادم القائم على منطقي الدولة والثورة.

ففي حين بدأ نظام الجمهورية الإسلامية في إيران صراعه مع المملكة العربية السعودية وباقي الدول العربية على مبدأ تصدير الثورة (الخمينية) القائم على قيادة الولي الفقيه للعالم الإسلامي منذ العام 1979، اتجهت السعودية ودول الخليج نحو محاولة احتواء امتداد الخطر الثوري الذي حمل بعداً طائفياً من خلال تركيزها على مبدأ الدولة التي تركز على الأمن والاستقرار ومبدأ عدم التدخل في الدول الأخرى.

ولعل هذه النقطة هي أهم ما غفلته أو تغافلته صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، في تقريرها السبت الماضي، تحت عنوان "الصراع على النفوذ بين السعودية وإيران يمزق الشرق الأوسط"، كتبه ماكس فيشر، الصحافي المتخصص في الشؤون الخارجية، حيث لخص الكاتب الصراع بين الدولتين على أنه صراع على النفوذ الإقليمي، ما أدى إلى حروب بالوكالة في المنطقة، بحسب تعبيره.

تصدير العنف الثوري

وعلى العكس من منطق الدولة الذي انتهجته الأنظمة العربية في السعودية ودول الخليج، اتجه النظام الإيراني نحو الاستفزازات وتصدير العنف الثوري وإثارة النزعات الطائفية والأحقاد التاريخية ودعوة الجماهير العربية للثورة ضد أنظمتها، ما أدى إلى اندلاع حرب ضروس مع العراق دامت 8 سنوات (1980 – 1988).

وبعد انتهاء فترة الحرب العراقية - الإيرانية التي هيأ نظام الملالي في طهران كل المقدمات الطائفية (الشيعية - السنية) والقومية (الفارسية - العربية) لاندلاعها وأصر على استمرارها لثماني سنوات، اتجهت السعودية ودول الخليج نحو بناء اقتصاديات عملاقة وتطوير علاقاتها مع المجتمع الدولي، وتعمل على التنمية والبناء وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، لكن النظام الإيراني استمر في تأسيس العديد من الخلايا والمنظمات الإرهابية في الدول العربية منها "حزب الله الحجاز" في السعودية، ومنظمات مماثلة في دول الخليج العربي، وتزويد ميليشيات حزب الله في لبنان بالسلاح والصورايخ وإعطائها الأوامر لتنفيذ تفجيرات في الكويت ولبنان وغيرها من الدول العربية.

كما أسست إيران لاحقاً العشرات من المنظمات الإرهابية في الدول العربية كفيلق بدر وحزب الله العراقي وعصائب أهل الحق وجيش المهدي والنجباء وعشرات الميليشيات الطائفية في العراق، وبعد ذلك قامت بتأسيس وتقوية ميليشيات الحوثيين في اليمن الذين أشعلوا البلاد بالحرب والانقلابات والصدامات الداخلية والإقليمية.

كما دعمت وتواطأت طهران مع منظمات إرهابية دولية أخرى مثل القاعدة التي تنفذ هجمات إرهابية داخل الدول العربية والدول الغربية، وآوت عدداً من قيادات القاعدة حيث لا يزال عدد منهم في إيران، مما جعل النظام الإيراني الراعي الأكبر للإرهاب في العالم، بحسب تصريحات مسؤولين أميركيين وتقارير مراكز أبحاث ودراسات.

وغرمت محكمة نيويورك، إيران لتورطها في التعاون مع القاعدة بهجمات 11 سبتمبر 2001 بـ10.7 مليار دولار، وغرامات أخرى تصل إلى 21 مليار دولار لعوائل ضحايا أميركيين سقطوا في تفجيرات في السعودية ولبنان والكويت نفذتها خلايا الحرس الثوري الإيراني.

واستمرت إيران بتدخلاتها الدموية في السعودية والدول العربية تحت شعارات "تصدير الثورة" و"نصرة المستضعفين" و"رفع الاضطهاد عن الشيعة" وغيرها من الشعارات التي اتخذتها ذريعة لتأسيس ميليشيات وخلايا طائفية تنفذ أجندتها وسياساتها التوسعية في المنطقة.

وأسست إيران أوكاراً للتجسس وزرع خلاياها تحت غطاء "المراكز الثقافية" التابعة للحرس الثوري في العديد من الدول كالسودان ونيجيريا وسوريا ولبنان واليمن وجزر القمر، والتي تعمل على نشر أيديولوجية النظام الإيراني عبر الدعاية والعنف.

كما عملت إيران على إثارة النزعات الطائفية بين المسلمين الشيعة في الدول العربية، وادعت أن نظام ولاية الفقيه قام لنصرتهم للأخذ بالثارات التاريخية بين السنة والشيعة، ما أدى لتهديد السلم والتعايش في العديد من الدول.

وكانت الدول الإسلامية قد اتخذت موقفاً بالإجماع لإدانة السلوك الطائفي الإيراني، حيث رفض مؤتمر منظمة التعاون الإسلامي، الذي عقد في مدينة اسطنبول في شهر أبريل، بشكل رسمي سياسات إيران الطائفية والتدخل في شؤون الغير ودعم الإرهاب.

خامنئي: إيران لم تعبر مرحلة الثورة إلى الدولة

وكان المرشد الإيراني الأعلى، علي خامنئي، قال في كلمة له خلال اجتماع له مع قادة الحرس الثوري في سبتمبر 2015، إن "إيران لم تتجاوز مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة"، وأضاف: "إن ثوابت الثورة لم ولن تتغير".

وخاطب خامنئي في قادة الحرس الثوري قائلاً: "إن المعارضين والأعداء ورغم اعترافهم بقوة ونفوذ وتأثير إيران على الصعيد الإقليمي، يقولون بكل صراحة للمواطنين الإيرانيين عليكم عدم متابعة الروح الثورية وكونوا جزءاً من الأسرة الدولية، وهذا يعني انهيار شعبنا كي يتم ابتلاعه بسهولة وصهره في بوتقة المستكبرين".

وأطلق خامنئي دعوة لمنع "التوغل الغربي إلى مراكز صنع المركز في إيران"، كما دعا إلى قمع الأصوات الداخلية التي تدعو إلى التطبيع مع دول الجوار العربي والغرب وإنهاء حقبة الشعارات الثورية والعداء للغرب والكف عن التدخل الإيراني في شؤون دول المنطقة.

عمليات خطف واغتيالات وتفجيرات

تورطت إيران في الإيعاز لعملائها لتنفيذ تفجير أبراج الخبر في الرياض عام 1996 وكذلك تنفيذ اغتيالات ضد دبلوماسيين سعوديين، حيث تورطت إيران في الفترة من 1989-1990 في اغتيال 4 دبلوماسيين سعوديين في تايلاند وهم: عبدالله المالكي، وعبدالله البصري، وفهد الباهلي، وأحمد السيف. كما أنه في العام 2011، تورط النظام الإيراني في اغتيال الدبلوماسي السعودي حسن القحطاني في مدينة كراتشي الباكستانية.

وفي شهر أغسطس الماضي، ذكرت قضية محاولات اغتيال السفير السبهان على يد عناصر تتبع لميليشيات عراقية طائفية كـ"عصائب أهل الحق" و"كتائب خراسان"، بقضية محاولة اغتيال فاشلة أخرى ضد وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، عام 2011 عندما كان سفيراً للمملكة العربية السعودية في واشنطن.

مسلسل التدخلات الإيرانية في السعودية

وعلى الرغم من سياسة المملكة العربية السعودية المرتكزة على عدم التدخل في شؤون دول الجوار، بدأت إيران تدخلاتها في السعودية بشكل مباشر منذ أحداث شغب مكة عام 1987، عندما قامت مجموعة من الحجاج الإيرانيين، وبتحريض من سلطات بلادهم، بتنظيم مظاهرة سياسية غير مرخصة مناهضة لأميركا وإسرائيل والغرب، ما أدى إلى حدوث اشتباكات عنيفة بينهم وبين قوات الأمن السعودية، نتج عنها مقتل 402 شخص، منهم 275 حاجاً إيرانياً، و42 حاجاً من جنسيات أخرى، إضافة إلى مقتل 85 رجل أمن سعوديا.

واستمر مسلسل إيران الطويل في استغلال موسم الحج لإثارة الشغب والفوضى والاضطرابات والفتن ومحاولة إحداث الصراعات الطائفية، حيث كانت أبرزها وأكثرها خطورة حادثة تدافع منى في 2015، والتي تورط بها دبلوماسيون وضباط باستخبارات الحرس الثوري الإيراني اندسوا بين الحجاج الإيرانيين بجوازات سفر عادية وسقط فيها مئات القتلى أيضا.

ومن ثم تدخلت إيران في قضية إعدام نمر النمر و46 سعودياً بتهم الإرهاب، حيث هاجمت مجاميع الحرس الثوري والباسيج السفارة السعودية في طهران وقامت بإحراقها وتدمير ممتلكتها بشكل كامل في 2 يناير 2016، كما قام مهاجمون آخرون بمهاجمة قنصلية المملكة في مشهد، مما أدى إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وطهران بشكل كامل وأعقبتها مقاطعة عربية وإسلامية وإدانات دولية ضد إيران.

احتلال مكة وقضية "تدويل الحج"

ومن أبرز النقاط الخلافية الأخرى بين إيران والسعودية هي دعوة قادة النظام الإيراني منذ تأسيسه في العام 1979 إلى احتلال مكة، وقد قامت إيران بكل تلك الأعمال التخريبية خلال مواسم الحج بهدف تحقيق هذه الغاية.

كما يعمل نظام الملالي في طهران على أمر آخر لا يقل خطورة وهو طرح قضية "تدويل الحج" منذ سنين. وقد كرر المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، في سبتمبر الماضي، هذا الموضوع عندما طالب في رسالة نشرت على موقعه الإلكتروني وعلى وسائل إعلام إيرانية رسمية بأنه "يتعين على العالم الإسلامي أن يعيد النظر فيما يتعلق بإدارة الحرمين الشريفين والحج"، على حد قوله.

وقضية ‏تدويل الحرمين مطلب إيراني قديم يؤكد عليه معاون السلطة القضائية الإيرانية محمد جواد لاريجاني في كتابه "مقولات في الاستراتيجية الوطنية" خلال تناوله نظرية طرح إيران بمثابة "أم القرى" بدلاً من أرض الحرمين، والتي تدعو صراحة إلى تدويل الحرمين، وضرورة خروجهما عن السيطرة السعودية، وإدارتهما عن طريق لجان دولية يكون لإيران فيها نصيب أكبر، حسب نظرية لاريجاني.

الصراع الإقليمي

أما في القضايا الإقليمية التي تركز الصراع الإيراني - السعودي فيها بشكل أساسي على أزمتي سوريا واليمن، فإن إيران هي من بدأت التدخل في شؤون الدول العربية منذ أحداث الربيع في سوريا عام 2011، حيث حول ثورة الشعب السوري ضد الحاكم الديكتاتور إلى حرب طائفية أرسلت من أجلها وحدات من جيشها وحرسها الثوري ومرتزقتها من الميليشيات الشيعية من العراق ولبنان وأفغانستان وباكستان واليمن وغيرها.

وتلطخت أيدي النظام الإيراني بدماء أكثر من 500 ألف شخص ذبحوا من قبل نظام الأسد الذي أمدته إيران بقوات ما بين جنود نظاميين وعناصر خارج نطاق الدولة لإنقاذ النظام السوري، وقد صرح القادة الإيرانيون علناً بأنه لولا جهودهم لكان الأسد قد سقط من السلطة.

أما السعودية فكان لها دور مساند لثورة الشعب السوري، خاصة بما يتعلق بمحاولات وقف التدخل الدموي للحرس الثوري الإيراني في قتل الشعب السوري، خاصة بعدما وضعت وزارة الخزانة الأميركية قائد فيلق القدس قاسم سليماني وقادة إيرانيين آخرين على لائحتها السوداء بسبب تورطهم في دعم الإرهاب عسكرياً ومالياً ولوجيستياً ودعم جرائم الحرب التي ارتكبها ويرتكبها نظام الأسد في سوريا.

أما في اليمن، فقد زادت إيران من تصعيد ممارساتها العدوانية ضد السعودية منذ أن أفشلت عمليات "عاصفة الحزم" مد النفوذ الإيراني في اليمن من خلال حلفائهم الميليشيات الحوثية الانقلابية، والتي انطلقت في مارس 2015 بقيادة المملكة لإعادة الشرعية في صنعاء.

وأخطأت إيران في حساباتها عندما قدّرت بأن السعودية لن تتحرك لصد التخريب الإيراني في اليمن، فكانت مفاجأة "عاصفة الحزم" المدوية التي جعلت إيران في موقف اضطرت فيه إلى دفع حلفائها الحوثيين بتصعيد عملياتها ضد السعودية حتى وصلت إلى إطلاق صواريخ نحو الأراضي المقدسة في مكة المكرمة، الشهر الماضي.

كما أرسلت طهران في وقت سابق شحنات الأسلحة والصواريخ وبعض عناصرها من مستشارين وخبراء عسكريين ومدربين من ميليشيات حزب الله اللبناني لدعم ميليشيات الحوثيين.

استمرار الإرهاب الدولي للحرس الثوري

ولم يقف منطق تصدير الإرهاب والعنف الثوري الإيراني إلى الدول العربية فحسب، بل إن قياديا بالحرس الثوري الإيراني كشف عن خطة للتوغل مستقبلاً في القارتين الأميركية والأوروبية.

وكان العقيد سالار آبنوش، مساعد المنسق العام في مقر "خاتم الأنبياء" العسكري التابع للحرس الثوري في إيران، كشف في تصريحات له في 28 أكتوبر الماضي، عن خطة تأسيس خلايا للحرس الثوري في قارتي أوروبا وأميركا دفاعاً عن "ولاية الفقيه"، على حد زعمه.

وقال آبنوش إن "فدائيي الولاية هم دائما تحت أمر المرشد الأعلى وإنهم لا يعترفون بالحدود من أجل الحفاظ على سلطة ولاية الفقيه"، حسب ما نقلت عنه وكالة "تسنيم" المقربة من الحرس الثوري.

وعقب هذه التصريحات هاجمت وسائل إعلام أميركية، إدارة الرئيس المنتهية ولايته باراك أوباما، واتهمته بتقوية الحرس الثوري من خلال رفع بعض العقوبات عنه عقب الاتفاق النووي، وكذلك الإفراج عن الأرصدة الإيرانية المجمدة وعدم الحد من قوة هذا التنظيم الميليشياوي شبه العسكري الذي يسيطر على مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والأمنية في إيران، حيث يدير ذراعها الإرهابي "فيلق القدس" تدخلات طهران في سوريا والعراق واليمن وغيرها من بلدان الشرق الأوسط وزعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم.