.
.
.
.

بذل الجهد في تأسيس هيئة للتقشُّف والزُّهد

أحمد عبدالرحمن العرفج

نشر في: آخر تحديث:

فَرِحنَا عِندَما رَأينَا حِسَابَات لوزَارَاتٍ في «تويتر»، وقُلنَا إنَّها ستَكون بَوَّابة لدخُول النَّاس إلَى هَذه الوزَارَات، التي لَا تَدخلها إلَّا بشَقِّ الأَنفُس، واعتقدنَا أنَّها ستَكون هَمزة الوَصل؛ بَين المُوَاطِن وتِلك الوزَارَات، التي كُلّ يَوم هي فِي شَأن..!
كَان هَذا الظَّن في البِدَايَة، أَمَّا الآن فقَد تَغيَّرت الأمُور، وأَصبَحنَا نَرَى العَديد مِن حِسَابَات الوزَارَات؛ إمَّا بَعيدَة عَن الوَاقِع، وإمَّا أنَّها تَتعَالَى عَلى الوقَائِع، أَو أَنَّها -وهَذا هو المُؤلم- تَنشُر أشيَاء يَعرفها المُوَاطِن؛ أَكثَر مِمَّا تَعرفها الوزَارَة..!
وحَتَّى لَا يَكون الكَلام رَجْمًا بالغَيب، فإنَّ مِن أشهَر التَّغريدَات التي وَرَدَت في حِسَاب وزَارة الإسكَان هي: (مَن قَرَأَ سُورة الإخلَاص ثَلاث مَرَّات، بَنَى الله لَه بَيتًا في الجَنَّة).. صَحَّحه البُخَاري.. وكَأنَّها تَقول للنَّاس: انسوا البَيت في الدُّنيَا، وانتَظروه في الجَنَّة..!
هَذه التَّغريدة شَجَّعت «المفبركين» -كَما يُقال- فنَسبُوا تَغريدة لحِسَاب وزَارة المَاليَّة تَقول: (عَن أبي هريرة رَضي الله عَنه، عَن النَّبي صَلّى الله عَليه وسَلّم قَال: «يَدخل فُقرَاء المُؤمنين الجَنَّة قَبل أَغنيَائهم بنِصف يَوم، وهو خُمسمَائة عَام»).. وكَأنَّ التَّغريدَة تَقول: ازهَدوا بالدُّنيا، وتَذكَّروا مَحَاسن الفَقَر..!
أمَّا وزَارة الصحَّة التي تُعنَى بصحَّة الجَسَد، والمُحَافظة عَلى سَلامة أَعضَائه، فقَد نَسَبَ لحِسَابها أَيضًا أَحد «المفبركين» تَغريدة تَقول: (قَال تَعالى: «كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القيامة»).. وكَأنَّ الوزَارة -إنَّ صَحَّت التَّغريدَة- تَقول لَنَا: ازْهَدُوا بالصحَّة ولَا تَخافوا مِن المَوت، حَتَّى وإنْ خِفتم مِن مُواجهته، فلا مَفرَّ مِنه..!
بَعد هَذا أَقول: يَا إلَهي، كَيف أَصبَحَت تِلك الوزَارَات؛ أَكثَر وَعظًا مِن الوُعّاظ والدُّعاة؟، وهَل مِثل هَذه التَّغريدَات تُمثِّل وجهة نَظر هَذه الوزَارَة أَو تِلك، أَمْ أنَّها اجتهَاد مِن المُوظَّف الذي يُدير الحِسَاب؟!
أكثَر مِن ذَلك، قَرأنَا تَصريحات شَهيرة لمَسؤولي نَزَاهَة؛ تُؤكِّد أنَّ انتشَار الفَسَاد في بَعض المُؤسَّسات، سَبَبه ضَعف الوَازِع الدِّيني..!
أعتَقد أنَّنا بحَاجة إلَى هَيئَة اسمها «هَيئة الزُّهد»، يَكون مِن شَأنها تَسلية النَّاس، وزَرع ثَقَافة انتَظَار مَا عِند الله، وهو خَيرٌ وأَبقَى، والتَّزهيد بالدُّنيا، لأنَّها مَتاع الغرُور، ومِن مُستَلْزَمات هَذه الهَيئَة أَنْ يَكون فِيهَا وَكيل، بمُسمَّى «وَكيل الهَيئَة لشُؤون القَنَاعَة»، يَضع فَوق مَكتبه لوحة كُتب فِيهَا: «القَنَاعة كِنزٌ لَا يَفنَى»، وبجوَاره مَكتب «مُسَاعد رَئيس الهَيئَة لشُؤون التَّقشُّف»، ويَكون شِعَاره: «مَا عِندَ اللهِ خَيرٌ وأَبقَى»..!
حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: الحَمدُ لله أنَّني أَملُك نَظرة استبَاقيَّة، فقَد استَبَقْتُ كُلَّ هَذه الوزَارَات لتَحقيق هَذه الأهدَاف، ومَن يَرجع لأَرشيف جَريدة «المَدينة»، سيَجد مَقَالَات كَتبتُهَا عَن الصَّبر، واحتسَاب الأَجر عِند المَرَض، وسيَجد مَا كَتبته أَيضًا عَن يَأسي مِن السَّكَن في الدُّنيَا، حِين طَلبتُ مِن الله بَيتًا في الجَنَّة، كَما فَعَلَت امرَأة فِرعون.. أمَّا فِيمَا يَخصُّ الجوَانِب المَاليَّة، فقَد كَتبتُ مَقالاً شَهيرًا عَن «مَزَايا الفَقر»!!

*نقلاً عن "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.