الطلاق بالتراضي بين الواقعي والافتراضي!

أحمد عبدالرحمن العرفج

نشر في: آخر تحديث:

كَثُر الحَديث عَن التّكنولوجيَا الحَديثَة وأَضرَارَها، ووسَائل التَّواصُل الاجتمَاعي وإفرَازَاتها، ومِن المُستحيل أَنْ نَحصرها في مَقالٍ وَاحِد، لذَلك دَعونَا نَتحدَّث اليَوم عَن جُزئية بَسيطة مِن هَذه الأضرَار، وهي أَنَّ النَّاس أَصبَحوا -فِي الغَالب- يَعيشون العَالَم الافترَاضِي، ويَنسون الوَاقع الحَقيقي.. إنَّهم مِثل مَن بَاع الحَقيقَة واشترَى الوَهم، أو انعَزَل عَن الوَاقِع ليَتلذَّذ بالخيَال..!
وحَتَّى يَكون المَوضوع أكثَر صَلَابة، فلابدَّ مِن الاستعَانَة بأَهل الخِبرَة والمُختَّصين، مِثل البَاحِثَة البَحرينيّة «بسمة قائد البناء»، حَيثُ تَقول عَن الوَاقِع الافترَاضي؛ في كِتَابها «تويتر والبِنَاء الاجتمَاعي والثَّقَافي لَدَى الشَّبَاب»: (يَنظُر بَعض الكُتَّاب والبَاحثين إلَى هَذه الشَّبكَات الاجتمَاعيَّة بتَوجُّس وحَذَر، ويَعتبرونها تُقلِّل مِن آدميّة البَشر، وتَرَى عَالِمَة الاجتمَاع «شيري تركل»، الأُستَاذة في مَعهد «ماساتشوستس» للتّكنولوجيَا، بأَنَّ النَّاس يَنعزلون عَن الوَاقِع المَعيش، ويَندَمجون ويَتيهون في وَاقِع افترَاضِي، لَيس لَه صِلَة بحيَاتهم الحَقيقيّة، فيَكونون في غَاية الاستغرَاق والانشِغَال، لدَرجة عَدَم وَعيهم بِمَا يَدور حَولهم. وتَقول: «إنَّنا ابتَكرنَا تَقنيَّات مُلهمة ومُعزّزة، ومَع ذَلك فقَد سَمحنا لَهَا بأنْ تَحط مِن قِيمتنَا»)..!
إنَّ هَذا الكَلَام صَواب لَا غُبَار عَليه، ونَحن نَعيشه ونَتعَايش مَعه كُلّ يَوم، فأنتَ حِين تُشَاهد صِرَاعات النَّاس وتَطاحُنهم؛ فِي وَسَائل التَّواصُل الاجتمَاعي، ثُمَّ تَذهب إلَى الشَّارع، وتَرَى أَنَّ الأمُور مُختَلفة جِدًّا، حِينها تُدرك الفَرق بَين العَالَم الحَقيقي، والعَالَم الافترَاضي..!
إنَّ الأُمَم التَّعيسَة هي التي تَتوسَّد الخيَال، وتَعيش العَالَم الافترَاضي، وتَنسَى وَاقعها المَرير، لأنَّ العَالَم الافترَاضِي -وإنْ كَان جَميلاً- إلَّا أَنَّه عَالَم غَشَّاش، يُغيِّر الألوَان ويُبدِّل الأشكَال، ويَضحك عَلى «الذّقُون»..!
حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي أَنْ نَصرخ بأعلَى الصَّوت ونَقول: أيُّها النَّاس، احلَموا وعِيشُوا الخيَال، وتَعَاطوا الوَاقِع الافترَاضي، ولَكن احذَروا ثُمَّ احذَروا ثُمَّ احذَروا؛ أَنْ يَسرقكم هَذا العَالَم الافترَاضِي السَّاحِر مِن حيَاتكم اليَوميَّة، ووَاقعكم المُعَاش..!!

نقلاً عن "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.