.
.
.
.

مجلس الشورى.. ودولة المؤسسات

أحمد الجميعة

نشر في: آخر تحديث:

من يتابع عمل مجلس الشورى خلال الدورات السابقة يدرك أنه أمام سلطة تشريعية ورقابية بلا صلاحيات كافية، أو على الأقل من دون قدرة على تجاوز صلاحيات السلطة التنفيذية، أو التأثير فيها، حيث لا يزال المجلس يقرّ، ويوصي، ويقترح، ويدرس، ويحيل، ويوافق، ويختلف، وجميعها صيغ توافقية خوفاً من المساس بسلطة صاحب القرار، وهذا مؤشر على أن نظام مجلس الشورى بحاجة إلى تحديث، وتطوير، وتعميق للمشاركة المجتمعية، وصولاً إلى الصلاحيات التي أعاقت عمل المجلس لسنوات مضت، ولا يختلف عن ذلك النظام الداخلي للمجلس، وحاجته إلى التحديث المستمر، حيث بادرت لجنة مشكلة من داخل المجلس 2010 النظر في هذا الموضوع، ولكن لا يزال الأمر بحاجة إلى مزيد من العمل داخل المجلس أكثر من خارجه.

مجلس الشورى في هيكلته، وتمثيله، وجلساته، ولجانه، وتشريعاته، وعلاقاته؛ يمارس حضوره على أكثر من صعيد، الأول مع السلطة التنفيذية، والثاني المواطن، والثالث وسائل الإعلام، والرابع مجلس الوزراء، والخامس مجلسا الشؤون الأمنية والاقتصادية، والسادس التمثيل البرلماني للمجلس مع دول خارجية لإيصال صوت ورسالة المملكة، وغيرها من الأعمال، وكل مهمة تحتاج إلى نسق مختلف من العلاقة، والتعاطي، والسياسات، والإجراءات، وقبلها ما يتفق مع الصلاحيات، وهي في الواقع مهام متداخلة، ومتكاملة، ومن الصعب جداً فرزها، أو تفكيكها داخل منظومة عمل تشرّع وتراقب الكل، ويعوّل عليها أكثر من السابق في الخروج إلى فضاء متعدد التوجهات، والمواقف، واحتواء الجميع بلغة ناجزة، وفاعلة، وشفّافة، بعيداً عن بيروقراطية التحوط، والتردد، أو بيروقراطية الإدارة التي ترفع الجلسات، وتحرّر المحاضر، وتوثّق النقاشات، من دون أن يكون هناك متابعة لما تم إنجازه، أو الاتفاق عليه، أو حتى التدخل إذا اقتضى الأمر في إيصال صوت المجلس إلى صاحب السلطات، وتوضيح الموقف حول الجهة التي لا تتفاعل أو تتجاهل إرادة المجلس، وصوته، وكيانه.

مجلس الشورى يواجه تحديات كبيرة، وكبيرة جداً، ويحتاج إلى دراسات معمقة لتقييم علاقاته، وخصوصاً مع السلطة التنفيذية، ووسائل الإعلام، والمواطن، ومع ذلك أنجز، وهذه حقيقة لا نزايد عليها، حيث عقد خلال دورته السادسة 283 جلسة، أصدر خلالها 591 قراراً، منها 113 قراراً خاصة بالأنظمة ولوائحها الداخلية، و258 قراراً تخص الجهات الحكومية، و16 قراراً بالموافقة على مقترحات بأنظمة جديدة أو تعديل أنظمة نافذة قدمها للمجلس عدد من أعضائه استناداً للمادة 23 من نظام المجلس، إضافة إلى الموافقة على عدد من الاتفاقيات والمعاهدات ومذكرات التفاهم مع عدد من الدول الشقيقة والصديقة.

ولكن قدر المنجز الشوري أنه في دائرتي التشريع والرقابة التي قد لا يلمس أثرهما المواطن بشكل سريع، ولكنهما حتماً تعبّران عن صوته، واحتياجاته، وتبحثان عن حلول لأزماته، ومستقبله، والشواهد كثيرة على أنظمة وقرارات شارك مجلس الشورى في دراستها، ولكن الإعلام لا يزال يبحث عن قصة أخرى داخل المجلس هي أقل بكثير مما تمت مناقشته أو إقراره، ويكفي أن تكون عناوين ومواد وسائل الإعلام مثيرة إلى درجة وصل معها المواطن إلى درجة الإحباط؛ ففرق كبير بين مجلس الشورى يدرس أو يوصي وبين يقرّ في مضامين وسائل الإعلام، وهي عموماً قصة لن تنتهي في العلاقة بين مجلس الشورى والإعلام التي لم تصل بعد إلى تكامل مسؤول، وهي من المهمات الصعبة التي ازدادت صعوبة مع متغيّر شبكات التواصل الاجتماعي، وما أفرزته من خطاب سلبي غالباً عن المجلس.

اليوم يفتتح خادم الحرمين الشريفين أعمال السنة الأولى من الدورة السابعة لمجلس الشورى، حيث يلقي خطاباً يتضمن سياسة المملكة الداخلية والخارجية، وكلنا أمل يتجدد في كل دورة أن يحقق مجلس الشورى ما نرجوه، خاصة ونحن أمام رؤية المملكة 2030، وما تتطلبه من تشريعات وأنظمة تنقلنا إلى دولة المؤسسات التي ننشد معها الاستقرار، واتخاذ القرار؛ بغض النظر عمّن يتولى تنفيذه.

*نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.