.
.
.
.

تسلط الفكر يلغي مبدأه

عبد المحسن هلال

نشر في: آخر تحديث:

إمعانا في البعد عن الشأن العام، وانتظارا لوعود السادة الوزراء بعد الميزانية، والأمل ألا يطول بها العهد فيتلاشى الوعد، أعود لمقال قبل أمس الذي زعمت فيه أن العقل العربي لا يقبل النقد، قالها قبلي كثيرون وأعادها المفكرون لانتشار الجهل وسطوة بعض العلماء والمفكرين على جمهرة جاهلة فتتولد سلطة تمنع النقد، لكنا نراه في مجتمعات يسودها التعليم وإن تفاوتت حظوظه بين دولة عربية وأخرى، هل المقصود المعرفة فالعلم وحده لا يكفي، أم المقصود الوعي لثبوت أن العلم والمعرفة وحدهما لا يكفيان، سيجرنا هذا للحديث عن دور العالم والمفكر في مجتمعه، وعن أثر القدوة حيث لا يفلح قوم لا سراة لهم.

لن أشعب الحديث، أعود للسؤال الناشب لماذا لا نقبل النقد؟ أضعه بصيغة أخرى لماذا غيبنا العقل؟ لن أخوض في مسألة العقل والنقل، أكتفي بالقول إن العقل ليس ضد الإيمان لمجرد أن الإيمان يحتاج قلبا لصدق الاعتقاد، والمثل المضروب حدوث المعجزات، مع أننا بالعقل أيضا ندرك حدوث المعجزة بمجرد معرفتنا بوجود خالق قادر، هذا الوجود نصل إليه بالعقل، والقلب لا ينقض موقف العقل إنما يدعمه. القرآن الكريم والسنة المشرفة يحثانا على التفكير واستخدام العقل فكيف نرفض؟ ولعل في رد ابن خلدون على الإمام الغزالي حول تهافت الفلسفة أفضل مثال. كيف أقحمت أنا الفلسفة هنا وهل هي العقل أم أن المقصود المنطق، أختصر المسألة بالقول إن الفتوى تبنى على الاجتهاد والاستدلال والقياس وهذه أدوات المنطق بالمطلق، بالفلسفة والمنطق نصل للحكمة مستخدمين العقل، والحكمة ضالة المؤمن، ومن يؤتها فقد أوتي حظا عظيما.

كلما أقترب مما أود قوله تأخذني المعاني بعيدا، أختصره بسؤال أخير، ألف علماء الفقه على مر العصور أدبيات متراكمة، غير أنهم تجنبوا الخوض في فقه الواقع إلا نادرا، وهو الأقرب لحياة المسلم اليومية، ووضع المفكرون نظريات وطروحات اجتماعية عدة، بيد أنهم أهملوا إلا لماما موقف الفرد الواحد أمام الجموع، الفردانية المسحوقة بتسلط السائد من القول أو الفعل، والإبداع علما أو فكرا إنما يبدأ من الفرد ثم تتبناه الجموع. هل تجنبهم هذه المواضيع خوفا من النقد أمام جماهير غير واعية هم سر سلطتهم؟ مع أن النقد لا يعني الهدم بل البناء والإضافة لتراكمية المعرفة.

كيف يبدع أو يفكر الفرد في ظل تسلط بعض العلماء والمفكرين وابتعادهم عن قضايا ملحة للمجتمع واشغاله بقضايا هامشية، كيف يفكر الفرد في ظل احتكار المنابر وسلطة جمهور غير واع مستمدة من تزمت بعض العلماء والمفكرين بداية ومنتهية بإحباط الفرد؟ كيف يبدع الفرد دون حرية رأي، ولم ترعب كثيرين هذه الكلمة، أيغفلون أنها حرية مسؤولة، أيجهلون أن لها حدودا وعليها مسؤولية، أليس غريبا أن يبهم معنى الحرية عند من ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟

* نقلا عن "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.