.
.
.
.

إنه مجرد اختبار

محمد اليامي

نشر في: آخر تحديث:

مسؤولة مدرسة في سنغافورة أرسلت إلى أهالي الطلاب قبل الامتحانات الرسالة الآتية: «أعزائي الأهالي، اختبارات أطفالكم ستبدأ قريباً، وأعرف أنكم فعلاً قلقون من أجل الطفل كي يؤدي جيداً، لكن أرجوكم تذكروا أن من بين الطلاب الذين سيجلسون للاختبار هناك الفنان الذي لا يحتاج إلى فهم الرياضيات، وهناك رجل الأعمال الذي لا يهتم بتاريخ الأدب الإنكليزي، وهناك الموسيقي الذي لا يهتم كم درجته في الكيمياء، وهناك الرياضي الذي تهمه لياقته البدنية أكثر من علم الفيزياء.

إذا حصل طفلكم على أعلى الدرجات فهذا عظيم، لكن إذا كان هو أو هي لم يحصل عليها فرجاء ألا تأخذوا ثقته بنفسه والكرامة بعيداً منه. أخبروا أطفالكم أنه لا بأس في ذلك، إنه مجرد اختبار، أخبروهم أنهم خلقوا لأشياء أكبر في الحياة، أخبروهم مهما كانت درجاتهم أنكم تحبونهم ولا تحكمون عليهم. رجاء إفعلوا ذلك، وعندما تفعلونه شاهدوا أطفالكم وهم يسيطرون على العالم. اختبار واحد، أو درجات متدنية في مادة واحدة لن تأخذ أحلامهم ومواهبهم بعيداً.

أرجوكم لا تعتقدوا بأن ذلك الطبيب أو المهندس هما السعيدان الوحيدان في الأرض... مع خالص تحياتي».

إنها واحدة من أجمل الرسائل التربوية، وهي لفتة إنسانية نحو الأطفال، بل بتعمق أكثر هي نحو الجميع في العالم، العالم الذي تقوده الماديات نحو الجنون أحياناً.

إنها وقفة ضد التنميط، هذا الفخ التربوي الذي يقع فيه الكثير من الآباء والأمهات عند مساعدة أطفالهم على بناء حياتهم، حيث يتحول الأمر عند البعض إلى بناء ما يريدونه ويتخيلونه بعيداً من تلمس مواهب وحاجات ورغبات وأحلام، بل وحتى «شطحات» الأبناء.

وفي العالم العربي يزداد الأمر سوءاً عندما يكون التنميط ليس فقط في التدخل الدراسي، بل يتجاوزه إلى الحياة العملية، ثم العائلية، فالغالبية تريد مساراً شبه محدد وواضح للجميع ينتهي بكثير من الشباب إلى إحباطات ومشكلات نفسية مستترة تؤثر في علاقتهم بشركاء الحياة، ثم ينتقل «فيروس التنميط» إليه مع انخفاض مناعته الفكرية، فيبدأ تطبيقه على أبنائه.

التعليم مهم، لكنه ليس نهاية العالم، والوظيفة مهمة، لكنها ليست إلا جزءاً يسيراً من الرزق، وتكوين العائلة مهم، لكنه لا يناسب الجميع، وليست بالضرورة أن تتم في مدى شبه محدد من عمر الشاب والفتاة.

أخيراً، سأكون مطمئناً أكثر على تعليم أبنائي، وسأتفاءل أكثر بمستقبلهم إذا كان مسؤولو المدرسة ومعلموها بمستوى القائدة التربوية السنغافورية أعلاه.

*نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.