.
.
.
.

امنحوهم الأمل

عبد الله عبد الكريم السعدون

نشر في: آخر تحديث:

أريدكم أن تتذكروا عاملاً مهماً كان له الفضل فيما وصلت إليه أنا وزوجي، تحدثنا عنه كثيراً منذ بدأنا رحلتنا قبل حوالي عشر سنوات، وحملناه معنا أينما ذهبنا ذلك (هو الأمل)، في آخر حديث لها اختارت ميشيل أوباما السيدة الأولى وزوجة الرئيس الأميركي أن تتحدث إلى زوارها في البيت الأبيض مع المسؤولين عن المدارس والطلبة، كان حديثها قطعة أدبية ونصائح يجب أن يسمعها كل طالب وطالبة وكل معلم ومعلمة حول العالم، ألقتها بأسلوب سلس وبلاغة متناهية ركزت فيه على المواطنة وعلى الأسباب التي جعلت أميركا هي أقوى دولة في العالم، وأكدت أنه لا يهم إن كنتم أبناء مهاجرين حديثاً فأنتم جزء من هذا النسيج الذي يشكل الوطن. إن كانت أسركم لا تملك الكثير من المال فبودي أن تتذكروا أن الكثير من الناس هنا بدأوا بالقليل، ومنهم أنا وزوجي، ولكن بالتعليم الجيد الذي يعلمكم التفكير الناقد وحسن التواصل مع الآخرين، وبالعمل الجاد يمكن أن تحققوا كل ما تريدون، ومنها أن يصبح أحدكم رئيساً للولايات المتحدة.

الأمل هو الذي جعل أناسا مثل أبي يعمل منذ الصباح الباكر حتى المساء ليؤدي واجبه في محطة المياه بالمدينة يحدوه الأمل أن يرى أبناءه يدخلون الجامعة التي لم يتمكن هو من دخولها.

تذكروا أن الحياة مليئة بالفرص الجيدة وأنه يوجد دائماً ما هو أفضل لمن هو مستعد للعمل متسلحاً بالأمل والتفاني، لا شيء كقوة الأمل التي تجعلنا نعلو على الضعف والكسل والشك والتردد والخوف الذي يغتال قدراتنا الهائلة.

أريد من صغارنا أن يفهموا أنهم يعنون لنا الكثير، ولهذا أقول دعوا الخوف جانبا وركزوا واتخذوا القرارات المدروسة بكل شجاعة، وبالقدوة الحسنة يستطيع كل واحد منكم أن يصبح قائداً في هذا المجتمع، المهم أن يحمل معه الأمل أينما ذهب.

تأكدوا أنني سأكون معكم طلبة ومعلمين أساعدكم وأتحدث إليكم وأعمل من أجلكم طيلة حياتي وهذه حقيقة يجب أن يعرفها كل من في هذه القاعة وخارجها، نحن نكن كل الاحترام لهؤلاء المعلمين المخلصين الذين ينهضون كل صباح ليعملوا بقلوبهم بكل جد ونشاط من أجل مساعدة هؤلاء الصغار ومن أجل مستقبل أميركا، وكم نحن فخورون بهم وأشكرهم نيابة عن جيل المستقبل. ولا يسعني إلا أن أختم آخر حديث لي في البيت الأبيض بالشكر لكم فشكراً لكم جميعاً.

ومن أجمل ما تحدثت عنه ميشيل أوباما في ذلك اللقاء هو قولها: إن كنتم أصحاب معتقد فاعلموا أن تعدد الأديان واحترامها هو من صميم ثقافتنا الأميركية وهو ما جعل الناس تحبذ الهجرة إلى أميركا لتمارس عبادتها بكل حرية، وسواء كنتم مسلمين أو مسيحيين أو يهوداً أو سيخاً أو بوذييين فاعلموا أن الأديان تعلم معنى العدالة والرحمة والشفقة والأمانة، ولهذا أنصح الصغار أن يستمروا في تعلم عباداتهم وأدائها بفخر، فالتعدد في الانتماءات والعقائد والألوان ما هو سوى إضافات للمزيد من القوة وليس تهديدا لما نحن فيه وما نعيشه من رخاء، بل هو السبب في ما نحن فيه.

في حديثها عن الأديان بكل تقدير واحترام بدأت بالدين الإسلامي لمعرفتها أنه يوجد من يسعى جاهداً لتشويهه وإلصاق التهم به والإساءة إلى أتباعه والتضييق عليهم، ولهذا ركزت على أهم ما تتميز به الأديان وهي الأمانة والعدالة والرحمة.

التاريخ سيذكر هذه السيدة بالتقدير والاحترام، وسيضعها من بين أفضل من سكن البيت الأبيض ذلك أنها كرست جلّ وقتها لتحسين البيئة التعليمية ومساعدة الطلبة على النجاح والتميز فقد استحدثت برامج كثيرة لتحسين صحة الطلبة في المدارس ومنها البرنامج الغذائي الصحي للمدارس والذي روعي فيه الجوانب العلمية في كمية السعرات الحرارية لمحاربة داء السمنة والذي أصبح قانوناً رغم محاربة شركات الأغذية والمشروبات الغازية له وممثليهم في مجلس النواب الأميركي.

يذهب المسؤول وتبقى آثار أعماله تشهد له بما عمل وما شارك فيه لخدمة المجتمع، وخصوصاً ما له علاقة بجيل المستقبل، الاهتمام بالمعلم والطالب يجب أن يكون في سلم اهتمام المسؤولين من أجل مستقبل أفضل، ومن المهم إعطاؤهم الأمل والحرص على جودة التعليم الذي يعلم أدب الحوار والحب والتسامح والتعايش مع الآخر، معززين هذا المنهج بآيات من القرآن الكريم، وإدراك أننا لم نعد نعيش في محيط معزول عن العالم، ومعرفة أننا لا نملك كل حقائق الكون المطلقة، فالله وحده هو العالم بذلك.

*نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.