قوانين العقل وجماح الشهوة
من المسلم به أنه الأصلح والأنفع كثيرًا للناس في العصر الحديث أن يعيشوا طبقا لقوانين عقولهم وأسس المنطق وقواعد المنطلقات السليمة بالكامل، ومعاييرها اليقينية، التي تجعلهم في وئام مع دوافعهم السلوكية وأوضاعهم الأخلاقية والحياتية بصورة عامة، بدلاً من العيش في اضطراب بين ما توحي به القواعد الاجتماعية، وما توصل إليه الفطرة الإنسانية السليمة، وتراكمات العقل البشري وما حققه في الحضارات المختلفة من علوم وتقنيات ارتقت بمستوى الإنسان من الحالات البدائية إلى مستويات متقدمة من الأطوار التي صنعها العلم ومنتجاته. ومما تتصف به أغلب بيئات الجماعات البشرية المختلفة، أن كل إنسان يود العيش في أمان من كل خوف بقدر الإمكان، لكن ذلك مستحيل ما دام كل فرد يستطيع أن يفعل ما يشاء، وما دام العقل لا يعطي حقوقًا تعلو على حقوق الكراهية والغضب، وفي حقيقة الأمر، فإنه لا يوجد شخص يمكنه العيش دون قلق وسط العداء والكراهية والغضب والمخادعة، وبالتالي لا بد أن يحاول كل فرد الخلاص من تلك المسببات بقدر استطاعته.
وما يلاحظه كل مهتم بشأن المجتمعات، أن الناس يعيشون في شقاء عظيم، إذا لم يتعاونوا، كما يبقون عبيدًا لضرورات الحياة إن لم ينمّوا عقولهم. ومن هنا كان لزامًا عليهم، من أجل أن يعيشوا في أمان وعلى أفضل نحو ممكن، أن يسعوا إلى التوحد في نظام جمعي تتحقق من خلاله مصالحهم جميعًا. ويصبح نتيجة لذلك، أن الحق الذي كان لدى كل منهم، بحكم الطبيعة، على الأشياء جميعًا، أصبح ينتمي إلى الجماعة، ولم تعد تتحكم فيه قوته أو شهوته، بل قوة الجميع وإرادتهم. وهذا أحد العوامل المتغيرة في العصر الحديث، التي لا بد أن يكون لمراعاتها أثر في تحوّل مركز الثقل في التخطيط للحياة الاجتماعية المعاصرة وتبعاتها في كل مجال من مجالات الحياة.
ومما لا شك فيه، أنه كان لا بد لمحاولات الانصهار في الجماعة من أن تفشل، لو بقي الناس يصرّون على اتباع شهواتهم (إذ إن قوانين الشهوة تحتم أن يسير كل فرد في اتجاه مختلف). لذا وجدت ضرورة الاتفاق على صيغة يتحقق من خلالها تنظيم وتعاقد حاسم؛ يجري فيه إخضاع كل شيء لتوجيهات العقل وحده (الذي لا يستطيع أحد معارضته صراحة، حتى لا يبدو فاقدًا للحس السليم) من جهة، كما يتضمن من جهة أخرى كبح جماح الشهوة بقدر ما تسببه من أضرار للآخرين. وبذلك تتم معاملة الناس بمثل ما يحبون أن يعاملوا به، وفي الوقت نفسه تتحقق المحافظة على حق الآخرين، كما لو كانوا يحافظون على حقهم الخاص. ولكي يكون هذا التحالف متينًا ومضمونًا، يجب إبرامه بشروط منطقية ومتفق عليها بين كافة فئات المجتمع. وهي إجراءات معروفة على مدى التاريخ المتأخر - بعد الثورة الصناعية - بالعقد الاجتماعي، الذي يتنازل فيه المسيطر عن بعض مجالات سيطرته من أجل إقناع بقية الفئات بالانخراط في ذلك العقد الاجتماعي، وتأسيس الدساتير والأنظمة الرئيسة وفقاً لشروط ذلك العقد ومتطلباته.
وهذا ينقلنا إلى مرحلة أخرى من المنطق الفطري الخاص بقانون الطبيعة الشامل، إذ انه معلوم أن لا أحد يترك ما يظن أنه خير إلا أملاً في خير أعظم، أو خوفًا من ضرر أكبر، ولا يقبل شرًا إلا تجنبًا لشر أعظم منه، أو أملًا في خير أكبر. وهو ما يجري تبسيطه في المدونات القانونية للجماعات البشرية، باختيار الفرد لأعظم الخيرين وأهون الشرين. ومثل هذه القوانين مسطورة في الطبيعة البشرية بقوة تحتم على المفكرين أن يضعوها بين المسلمات الأبدية، التي لا يمكن لأحد أن يغفل عنها. وينتج عن وجود القوانين تلك أن أحدًا لا يمكنه أن يعد بالتخلي عن الحق الذي له على كل شيء، ولا يمكن أن يفي مطلقًا بوعده هذا لو حدث وتجرأ على ذلك، إلا خوفًا من شر أعظم أو طمعًا في خير أكبر. فالقانون الطبيعي يرخّص للمرء بألا يلتزم إلا بما يتواءم مع مصلحته الشخصية من ناحية، ومع العرف العام المقبول من أغلب فئات الجماعة البشرية، التي ينتمي إليها من ناحية أخرى. وهذا الجانب هو ما يعنيه القانونيون من استخدامهم لقاعدة «صحة أي عقد رهن بمنفعته؛ فإذا بطلت المنفعة انحل العقد في الحال، ولم يعد ساريًا إلا من خلال بعض الشروط، التي تحول دون فسخ العقد، وتجعل المنفعة في بقائه الشكلي»، وفي كل الأحوال تصطبغ بعض تلك القوانين المكونة لأي عقد اجتماعي من ثقافة عامة يصقلها العقل بجدارة.
*نقلاً عن "اليوم"