.
.
.
.

التفحيط يحطم الهيبة

عبدالله بن بخيت

نشر في: آخر تحديث:

لا أعرف إلى أي مدى تقلقك ظاهرة التفحيط. حسب وجهة نظري هي أقل قليلاً من الإرهاب ولكنها أقسى من أي جريمة أخرى. أكثر من السرقة ضراوة وأكثر من القتل نفسه. تقوم جريمة التفحيط في نظري على ثلاثة أركان أساسية لا تراها في الجرائم الأخرى.

الركن الأول السرقة. اعتدنا أن يسرق المفحط سيارة ويفحط بها ثم يتخلص منها. الركن الثاني الاستهتار بأمن البلاد والثالث الاستهتار بأرواح البشر. رجل يسرق سيارة ثم يأخذها إلى طريق سريع ممتلئ بالسيارات العابرة المسرعة ويبدأ في امتاع الناس باستعراضات قاتلة مؤكدة. ما الذي يمكن أن تصف به هذا الفعل. هذا الرجل يعرف أن مئات الكاميرات سوف تصوره هذا إذا لم يبلغ به الاستهتار أن رتب عملية التصوير بنفسه. إذا قارنا جريمته هذه بجريمة السرقة فسوف يتفوق الحرامي أخلاقياً عليه. أولاً الحرامي ينفذ جريمته في الخفاء. لسببين تهمنا كمجتمع: السبب الأول أن الحرامي يحترم قيمنا ومثلنا وقدراتنا. يقوم بعمله في الخفاء لأنه مازال يرجو أن يبقى جزءا منا. الثاني أن الحرامي يسرق في الخفاء وبإجراء يخفي فيه عمله عن رجل الأمن. مازال يهاب من قدراتنا الأمنية ومن القضاء. وجود هذه المشاعر في قلب المجرم أمر ضروري. لا لتردعه فقط ولكن تؤكد أن نظامنا الأخلاقي والأمني فعال ومازال المجرمون يؤمنون به ويهابونه. من يريد أن يرتكب جريمة من البديهي أن يخفيها. هذا الذي يسرق سيارة ويفحط بها في طريق سريع ويصور جريمته ينسف كل هذه القيم الأساسية.

الاستهتار بالأمن أخطر من اختراق الأمن أو محاولة تجاوزه. هنا يتجه المجرم ليخلخل العامود الأساسي الذي يقف عليه الأمن (الهيبة). الأمن لا يقوم على العصا والكرباج ومجموعة التشريعات وإنما على إيمان الناس بحضوره وقوته وصدقيته وارتباطه بدينهم وقيمتهم الاجتماعية. ما هو الأمن إذا لم يكن الهيبة. إذا لم يكن الخوف المقرون بالاحترام والتقدير. إذا سقطت الهيبة سقط الاحترام وسقط الخوف وعمت الفوضى.

عندما ندافع عن أنفسنا ضد المفحطين لا ننشد حماية لأرواحنا فحسب، ننشد حماية هيبة الأمن الذي يفخر بها كل سعودي. ما يقوم به المفحط ليس مخالفة مرورية كما صرح المرور مع الأسف بل سرقة اعقبها شروع في القتل المتعمد بروح ملؤها الاستهتار. ما ذنب الأم والأب والعامل البسيط المغترب أن يأتي من يروعه ويفزعه ويهدد حياته ما ذنبه ان يرى نفسه في لحظات على شفا موت حقيقي ومجاني وسف يتكرر في مكان آخر.


*نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.