.
.
.
.

تقليص سنوات التعليم لحل مشكلة البطالة وثقافة العمل

محمد آل عباس

نشر في: آخر تحديث:

في أكثر من 20 مقالا تحدثت عن مشكلة العمل في المملكة، وأنها ترتكز في المنافسة غير العادلة بين العامل السعودي ونظيره الأجنبي، قلت إن الحل اقتصادي وليس قانونيا، وأن يتم تصحيح عوامل العرض والطلب وآليات السوق، ولا نجبر الشركات على العامل السعودي بقوة النظام وهيبة الدولة، لأن ذلك سيوجد سوقا سوداء، بل يجب في المقابل رفع تكلفة العامل الأجنبي ومنع مظاهر الحياة غير الكريمة التي يعيشها بعض العمال الأجانب، تقشفا منهم فقط لقبول أقل أجر ممكن، من أجل احتكار الوظائف. مشكلة سوق العمل في المملكة مركبة جدا، فنحن لم نفهم بعد عدم قدرة السعودي على المنافسة في القطاع الخاص والرضا بالبطالة، حتى أن يقوم أحدهم بتمزيق شهادته الجامعية.
اليوم أرى أن للمشكلة بعدا آخر وأكثر عمقا وله علاقة مباشرة بكافة الأبعاد التي أشرت إليها من قبل، فسنوات التعليم هي في اعتقادي أصل مشكلة البطالة في المملكة وسببها الرئيس، ولعله من المناسب القول إن أي نظام للتعليم لا ينعكس على سلوك المجتمع، ويغير من مساره، فلا فائدة منه، وإيقافه أفضل، والتعليم في المملكة أصبح كذلك، وهو يفشل وسيفشل في نقلنا نحو مجتمع مهني صناعي، يعتمد على الإبداع الذاتي، ويرتكز على القطاع الخاص وثقافة الإنتاج والبيئة التنافسية ونظرية القيمة والصراع.
لدينا مشكلة في طول مدة التعليم التي تمتد إلى 16 سنة أو أكثر، في تعليم عام وجامعي، ويتخرج الطالب وقد تجاوز عمره 22 سنة، هذا إذا لم يتعثر خلال هذه السنوات، وقد يصل عمره إلى أكثر من 25 سنة ولم يتخرج بعد، وإذا أراد أحدهم الخروج من التعليم عند أي مرحلة لأي سبب فسيخرج بلا شهادة تخصص وبلا خبرة، ولو أمضى في التعليم والجامعة سنوات عدة. من قرر "بغرور" إكمال دراساته العليا أو طلب شهادات المهنية فعليه الصبر حتى 30 للماجستير والشهادات المهنية، وأن يتجاوز 36 قبل الدكتوراه، فمتى لهذا الجيل أن يقبل بالعمل المهني ويرضى به، متى يقبل أن يبدأ في حياة مهنية وظيفية في قطاع خاص تنافسي عند مستويات رواتب تبدأ من ثلاثة آلاف ريال أو أقل، متى يمكنه الصبر على التعلم من جديد، وقد أمضى كل هذا العمر يتعلم.
نحن نطلب من الجامعات أن تتلاءم مع السوق، وهذا مستحيل، لأن السوق ليست مكانا للعلم المستقر، بل هي مجال للتجريب والإبداع غير المستقر أو المفسر علميا، لكن المشكلة ليست في الملاءمة بل في أننا ندفع إلى السوق بشباب في عمر متأخر، وتتصور السوق أنهم جاهزون للعمل فورا، نظرا لهذه السن، بينما الحقيقة أنهم بحاجة إلى تدريب، والمصيبة أنه لم يعد لهذا الخريج فرصة للتدريب، وقد تجاوز 24 من عمره بل أكثر، ويبحث عن حياة مستقرة.
يجب تقليص سنوات التعليم كأهم وأول خطوات التصحيح، بحيث لا يتجاوز عمر الطالب عند التخرج من الجامعة 18 سنة، فهذا هو العمر الذي يقبل فيه العمل المهني والتدريب، وهو أول سنوات شبابه، ما يجعله ينخرط بيسر في سوق العمل ويتفهم ثقافتها ويؤمن بها، ثانيا يجب أن يصبح التعليم مرتكزا على الميدان، وتصبح الجامعة قاعدة صلبة للمعرفة الأساسية في التخصص الذي اختاره الشباب. كما يجب أن ينخرط أبناؤنا ممن لم يصبحوا قادرين على مواصلة التعليم قبل الجامعي في برامج مهنية خاصة لهم، تشرف عليها مؤسسة التدريب المهني، بحيث يلتحق الطالب بورش عمل وهو صغير أي منذ 14 من عمره أو أقل قليلا، يتدرب ويتعلم في هذه الورش ضمن نظام تعليم وتدريب حكومي مع القطاع الخاص، حتى يتقن العمل ويحترف الصناعة. ومن أجل هذا كله يجب أن ينهي الطالب تعليمه الابتدائي الإجباري وهو في سن العاشرة من عمره، وينهي تعليمه الأساسي وهو في سن 14.
الاقتصاد السعودي يهدر أموالا ضخمة في تعليم لم يعد مجديا اقتصاديا، ويهدر مساحة ضخمة للاستثمار في شبابه. الطلاب اليوم يتلقون معلومات ضخمة جدا من مصادر مختلفة، والتعليم لم يعد معتمدا على قاعة وكرسي ومعلم، بل منهج للتلقي شامل ومستمر وممتد عبر الحياة. منح الشباب فرصة للانخراط في العمل مبكرا يمنحهم مدخلا مناسبا مع مستويات الرواتب الحالية ويمكنهم من منافسة الأجنبي ببراعة، وأيضا السيطرة على المهن، ومن ثم بناء المستقبل والتمكن من التمدن والتحضر مبكرا، بدلا من انتظار سنوات في تعليم لا معنى له، ويتخرج الطالب منه وقد فقد نصف شبابه ويريد بسرعة استدراك الوقت، فلا يرضى بالعودة للبداية وقبول رواتب متدنية أو قبول التعلم من جديد، ويريد أيضا أن يكسب ما تبقى من شبابه في حياة كريمة وبيت أسري مستقر.
نظام التعليم الحالي لم يعد مناسبا لنا، هذه الحقيقة يجب الاعتراف بها، فهو يتسبب في مضي عمر الشباب قبل أن يتخرج، ثم سنوات أخرى قبل الوظيفة، ومثلها حتى يصبح جاهزا لبناء بيت وأسرة، وكل هذا ينتج لنا اقتصادا ضعيفا مع مظاهر خطيرة من تأخر سن الزواج وزيادة العنوسة وتأخر سن الإنجاب، وسيكون لهذا آثار وخيمة في حجم السكان في المملكة في المستقبل، وقد بدأت مظاهر هذا الأمر حاليا مع تراجع نسبة الخصوبة.
حل مشكلة سنوات التعليم اليوم سيحل مشكلات متعددة في المصروفات الحكومية بشكل عام، فإذا انخرط الطلاب في العمل في سنوات الشباب الأولى أي بعد 18 فورا، فإن هذا يمنحهم سنوات عمل أطول قبل التقاعد، وبالتالي إنتاجا أضخم وقدرة على الشراء أكبر ونموا اقتصاديا حقيقيا، كما سيحل كثير مشكلات في المصروفات الحكومية ذات العلاقة بالتعليم والشباب والصحة، لكن الأهم هو أن الشباب سيستثمر عمره في التعليم من خلال الممارسة والعمل، بدلا من ضياع الوقت في تعليم تلقيني متأخر سنوات عن متغيرات السوق التجريبية.

*نقلاً عن "الاقتصادية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.