عبدالله جابر: أنا محظوظ.. والمزاجية تلعب بريشتي
الكاريكاتير أو "الفن الصامت" كما يُطلق عليه، لقدرته على التأثير بشكل أقوى وأكبر. هو فن لاذع شعبي، لكن من طراز رفيع، وقد يكون "فناً ضاحكاً" بنكتة تستدعي الابتسامة مزروعة بالنقد الساخر الذي يحاول من خلاله فنانه إيصال رسالة ما لجمهوره. الفنان عبدالله جابر، رسام الكاريكاتير السعودي الشاب، جمع كل ما سبق في سجله العريض والممتلئ بالجوائز الدولية في فن الكاريكاتير. جابر، صاحب رسومات تملك هويتها الخاصة، وتستطيع بمجرد متابعة عدد بسيط منها استنباط نمط شخصياته الغريب والمدهش في ذات الوقت.
لوحات جابر فيها كثير من الجرأة الفنية، رغم غرابتها وسلبيتها وصمتها الغالب إلا أنها تقول كثيراً مما لا تقوله الكلمات. تحولت خطوطه الساخرة والساحرة إلى أسلوب حياة ورسالة ثقيلة مرتبطة بالناس البسطاء والصامتين، جعلته بدلاً من أن يرسم ليعيش، يعيش ليرسم.
هذا الفن يمثل جزءا من شخصية الفنان ورأيه وليس العكس، وخارج إطار الكاريكاتير قد أجامل وقد أمدح.
إلى الآن لم أدفع ثمنا غالياً، وآمل عدم الوصول إلى هذه المرحلة.
فن الكاريكاتير في المنطقة العربية عموماً يعيش بين آلاف الخطوط الحمراء المتحركة فما يمنع نقده اليوم قد يصبح متاحاً للنقد غداً والعكس، فلذلك يلجأ الفنان للالتفاف والقفز والترميز ليستطيع المرور بين هذا الكم الهائل من الخطوط، والمتلقي من جانب آخر أصبح محباً للأفكار الذكية التي تحترم ذكاءه وينبذ الأفكار المباشرة والسطحية، لذلك أمارس الرسائل المبطنة والرمزية اضطراراً لكي أستطيع الاستمرار بالنشر.
الطبقة المخملية في أي مجتمع قد تمارس عدداً من الفنون، كالرسم أو الشعر وغيرها، لكنها لن ولا تستطيع ممارسة فن الكاريكاتير لأنه فن لا يتقنه إلا أبناء البسطاء، لذلك فهو يدافع عن الشخص البسيط، فهو أهله وينتقدهم نقد محب. السلبيات والمتناقضات في المجتمع هي وقود فن الكاريكاتير، وكلما زادت هذه المتناقضات زاد فن الكاريكاتير تألقاً وضرورة.
حقيقة، لا أستطيع الإجابة على آلية إنتاج الأفكار ليس لأني لا أريد بل لأني لا أعرف، فكل رسم يحوي على عدد من الأفكار فبعد تحديد الموضوع أحتاج لزاوية ساخرة ومقنعة وملفتة لنقد هذا الموضوع ثم فكرة أخرى في استخدام الكلمات أو الرموز والألوان والشخصيات التي تعبر عن رأيي في الموضوع، بالإضافة إلى الاهتمام بتوقيت نشر العمل.
خارج إطار رسم الكاريكاتير أنا شخص محظوظ جداً، وسعيد مهنياً وعائلياً، ومن أبعد المخلوقات عن الحزن، أما داخل لوحة الكاريكاتير فأنا ملزم بنقد السلبيات والأخطاء وقد يكن تكرار ذلك على مر السنين أعطى هذا الانطباع الحزين.
نعم، لكنه ليس السبب الوحيد، أحتاج لإظهار الجانب الساخر في الشخصيات، ولا أرسمها بشكل يميل للواقعية، كذلك هنا جانب لتوفير الوقت والجهد وذلك بخطوط قليلة واستبعاد تفاصيل لا تخدم الفكرة، فالعمل اليومي يتطلب التبسط في الخطوط والألوان للحاق بدورة النشر اليومية.
الكاريكاتير فن صعب، لذلك لا يمارسه في السعودية إلا واحد من كل مليون مواطن، فيما مضى كان الكاريكاتير السياسي مملاً، حيث قلة المواضيع وضعف ثقافة الإنسان السياسية، وما يجري فيها لقلة وسائل المعرفة، لكن السنوات العشر الماضية، شهدت اهتماماً بالشأن السياسي، وبات الناس يقدمون رأياً فيها. بالنسبة لي كلاهما بالصعوبة نفسها لكنني أحب وأفضل الاجتماعي والمحلي لأسباب عدة أولها أنه أولى بالنقد والإصلاح في نظري على الأقل، وكون فنان الكاريكاتير السياسي في الوطن العربي ملزم عند التعبير عن رأيه السياسي أن يتفق مع الرأي الحكومي أو سيمنع عمله من النشر "في أحسن الأحوال".
لأسباب أولها الدخل، والثاني أنها مرجعية مهمة لفن الكاريكاتير، فبيئته الطبيعية هي الصحيفة، أما السبب الثالث، وجودي في صحيفة مكة لا يتعارض مع وجودي في الإعلام الإلكتروني.
قدمت لي الكثير، بداية من سرعة نشر الخبر وإيصاله لي ثم تحليله ومعرفة حجم انتشاره هذا قبل رسمي للرسم وبعد الرسم أستطيع قراءة ردود الفعل والآراء سواء إيجاباً أو سلباً عن كل رأي أطرحه وفيها وجدت الاحتكاك والمتابعة لفنانين رائعين تعلمت منهم الكثير وما زلت. وطبعاً هي عزائي لكل رأي منعه خط أحمر.
الحرية والمزاج والموضوع والفكرة والوقت وأخيراً اجتهاد الفنان لتقديم ما يرضيه قبل رضى غيره.
دائماً. ما زلت أحاول تجاوزها بس "ماش".
أحب ممارسة النقد، وأحب تلقيه وإن لم أجده، أبحث عنه، مشكلتي فقط مع من خلط بين الإساءة وبين النقد.
عملي إذا لم ينشر كما رسمته فهو ذنب لا يغتفر.
احتجت لرسم آلاف الرسمات لإثبات هذه النظرية، ويسعدني نجاحها وأحاول حالياً مساعدة غيري في أن يعيش وهو يعمل ما يحب، وهذا هو مفهوم النجاح في نظري.
ليس له حدود، ما دامت هذه الريشة تتحرك.
أعمل حالياً على إنتاج مسلسل كرتوني متحرك، لا زلت في المراحل الأولية وآمل أن يبصر النور قريباً.