.
.
.
.

حوادث السير تفتك بنا ونحن مستسلمون

عثمان الخويطر

نشر في: آخر تحديث:

يأبى القلم إلا أن يكتب مقال اليوم عن الحوادث المرورية، التي لا تزال تفتك بالصغير والكبير، فتسيل على الأرض دما بريئا وتزهق أنفسا بدون شفقة أو رحمة، وتحيل الصحيح عليلا، يفني بقية عمره على أسرّة المصحات، كفانا الله وإياكم مصائبها. ونحن كالمتفرج الذي ليس في يده حيلة، رغم أننا قادرون لو أردنا على كبح جماح هذه الظاهرة المخيفة. كل بلاد العالم تعاني حوادث المرور وتتسبب في فقد أعداد من مواطنيها، لكن ليس بالقدر الذي نعانيه في بلادنا. فعدد الوفيات عندنا بالنسبة إلى عدد السكان أضعاف مضاعفة لمعدل وفيات الحوادث المرورية في معظم بلدان العالم. ورغم كل ما يكتب عن الموضوع وما يدور في المحافل والمجالس من تذمر من الوضع الحالي، إلا أننا لا نزال نتقبل الأمر الواقع، مع أنه بإمكاننا وبمجهود متواضع وضع حد لنمو المعدل السنوي للحوادث، عن طريق نشر الوعي بين المواطنين، إلى جانب إلزامهم بممارسة الحد الأدنى من التقيد بأمور بسيطة ومتيسرة، تساعد على تخفيف الضرر البدني الذي يعانيه مصابو الحوادث المرورية. ولكل أسبوع من أيام السنة قصة مؤلمة، فخلال أيام قليلة فقدت أسرة ستة من أفرادها جملة واحدة. تخيلوا مدى الألم والصدمة لذوي المفقودين وبقية المصابين! وقبلها بيومين أم وابنها وأحد أقاربها قضوا في حادث أليم إثر انحراف غير متوقع من شاحنة. وشاب فقد حياته في حادث بينما زوجته الصغيرة كانت تضع أول حمل لها. وقصص الحوادث لا تنتهي بل تَزيد فظاعة وتزيدنا ألما. نحن نفقد كل يوم بسبب حوادث الطرق معدل 20 ضحية. وفي الشهر 600 وفاة. ولنتخيل لو أن حدثا عارضا تسبب في وفاة 50 مواطنا مرة واحدة، لا قدر الله، فسنعاني صدمة الحدث أشهرا طويلة. ولأن حوادث المرور تلتقط ضحاياها من هنا وهناك، بعضها في ظلمة الليل والآخر في وضح النهار وفي أماكن متباعدة عن بعضها، لا نحس بها ولا نشعر بويلاتها.
ونسأل إدارات المرور، ماذا أعددتم من تقارير وتحليلات وتوصيات للجهات العليا، ومن ثم تنفيذ عملي لعله يوقف أو على الأقل يقلل من سفك الدماء على الطرق العامة؟ ولماذا لا يكون لوزارة الصحة ولشركات التأمين دور في التوعية والحد من استمرار النمو المخيف لحوادث السير؟ لأن "الصحة" و"التأمين" يتكبدان خسائر مالية كبيرة بحكم ارتباطهما المباشر بتوفير العناية الصحية والتأمين على الحوادث، على التوالي. المرور تخلى عن مسؤولية مباشرة حوادث السير، وسلمها إلى شركة نجم، وهذا من شأنهم. لكن مسؤولية كتابة التقارير الفنية والتحليلية لا نظن أنها إلا من صلب مهمات إدارات المرور. ومنها يستنبطون الحلول والإجراءات الواجب اتخاذها من أجل تقليل فرص الحوادث وتخفيف حدة الإصابات. وكم هو جميل لو أن تقارير الحوادث المرورية على اختلاف أنواعها وظروفها تذكر، عن إذا ما كان الراكب أو الركاب رابطين حزام الأمان لحظة وقوع الحادث. فهذا يعطينا فكرة عملية عن أهمية ربط الحزام، الذي يتهاون كثيرون في استخدامه لعدم قناعتهم بجدوى ذلك، حتى إن بعضا من أفراد المجتمع يثير جدلا منطقيا حول بعض الحالات التي يكون فيها الحزام عقبة أمام فرص الهرب من المركبة في حال وقوع حريق، لا سمح الله. وربما هناك حالات أخرى لا ينفع معها الحزام. فنقول لهؤلاء وأولئك، خوفكم في محله. لكننا نعلم أن أكثر من 80 في المائة من الحوادث المرورية - حمانا الله وإياكم منها - تحتم ربط الحزام. والـ 20 في المائة الباقية فيها شك. فهل أتقيد بنسبة 20 في المائة أم 80 في المائة؟ حتما إن حالات الـ 80 في المائة أولى بأن تؤخذ بعين الاعتبار.
رغم كثافة ما يكتب ويشاهد من الحوادث المرورية، إلا أن التذكير بعدد وبحجم ما نفقد من أرواح وما تخلفه من إعاقات بدنية مستديمة يجعلنا في حيرة من أمرها. فهل نظل ساكتين وراضين بالأمر الواقع؟ فقد وصل عدد الوفيات السنوية ما يقارب ثمانية آلاف نفس. والإصابات المقعدة أكثر بكثير. أما الخسائر المالية جراء الحوادث المرورية فحدّث ولا حرج. فهي تزيد بكثير عن 20 مليار ريال سنويا. نحن لا نقارن هنا بين فقد الأنفس مع ما يضيع من المال، لكننا نلفت النظر إلى أن صرف نسبة قليلة من هذا الهدر المالي من أجل توعية أفراد المجتمع والحفاظ على أرواحهم، مع ما يتطلب ذلك من سن قوانين صارمة تقلل من الاستهتار أثناء قيادة المركبة ومن ثم تنفيذ مضمونها لكفيل بأن يعكس نمو الحوادث إلى تقلص في حدوثها. وقد اتخذ كثير من الدول المتقدمة مسارات مشابهة ونجح في تخفيض الحوادث والإصابات. ولو استطعنا عمل الشيء نفسه فسيكون بالنسبة إلينا مكسبا إنسانيا وماليا. لكننا أمة اتكالية، لم نتمكن بعد من توحيد جهودنا والعمل يدا واحدة لنحقق أيا من أهدافنا السامية. فلم نسمع قط أن أحدا من هذه الأطراف الثلاثة، المرور، الصحة، وشركات التأمين، تقدم ببرنامج مشترك يكون نواة لمجهود وطني لتوعية المواطن فيما يخص ما تسببه حوادث المركبات من تفريق أبدي بين الأحبة وترميل فتيات في مقتبل العمر. ناهيك عن الإقامة الأبدية لآلاف الشباب الذين يقضون بقية حياتهم فوق الأسرّة البيضاء في المرافق الصحية وهم بين الحياة والموت. مناظر تفطِّر القلوب. ولو تقدمت جهة مسؤولة بطلب التبرع لمشروع يهدف إلى الحد من الحوادث المرورية المميتة لرأيت كثيرين من أهل الخير يتسابقون إلى التبرع بالمال والمجهود الشخصي. واليوم لدينا أو في متناول أيدينا وسائل إعلام مذهلة لتوصيل الرسالة إلى الشباب بطرق علمية.

*نقلاً عن "الاقتصادية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.