.
.
.
.

سوق السفاهة

محمد سعيد القبيسي

نشر في: آخر تحديث:

في عصر الاكتشافات، والاختراعات، والابتكارات، والإبداع وتطور عالم الاتصالات، صار الكون اليوم قرية صغيرة إن لم نقل غرفة واحدة، بل هو لعبة في كف واحد، يتواصل المرء مع العالم شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، ويتجول في سائر أرجاء المعمورة، تاريخاً وسياسة واقتصاداً وسياحة، وتعليماً وجغرافيا، إلى سائر العلوم المختلفة، فكلما أردنا موضوعاً أو بحثاً أو ضحكاً حتى أو تسلية رجعنا إلى عالم (العم جوجل). هذا هو التواصل الإيجابي الرائع، يجعلنا نعيش وسط قبة في بحر المعلومات نستقي منه ما نريد من زاد معرفي زاخر وبسرعة هائلة، قبل أن يرتد الطرف، كما جاء الذي كان عنده علم من الكتاب، بعرش ملكة سبأ بلقيس إلى نبي الله سليمان.
وقد استفاد من هذا الإنجاز العلماء والباحثون وأصحاب الدراسات العليا، في الوصول إلى مراجعهم ومصادر أبحاثهم بلمح البصر.
وكما أن لكل اختراع فوائده، وسلبياته، كما للدواء علاجه الناجع، وأحياناً له مضاره إن لم يستخدم بالطريقة الصحيحة، كذلك السلاح مثلاً ،فكما يستخدم للدفاع عن الحياة والوطن، هو بالوقت نفسه أداة للجريمة إن أسيء استخدامه، وهكذا وسائل الإعلام والكتب فهي مفيدة بغاياتها لكنها سلبية باستعمالها في غير هدفها المنشود.
ما نريد أن نصل إليه هو أن وسائل التواصل الاجتماعي باتت من الضرورات، وليس من الكماليات، فمن منا لا يحتاج إليها، وهي أهم مصادر المعرفة والاطلاع والعيش بأمان، من تواصل لمعرفة الخير، وأخبار العالم، والاطمئنان على الأقارب والأصدقاء والجيران، ولكن كما هي مفيدة في استخداماتها العادية، يكمن فيها الخطر الكبير عندما تصبح سوقاً ومرتعاً للسفاهة والإسفاف، ومستنقعاً لنشر الأخبار الكاذبة والإشاعات المغرضة، وغرس الرذيلة، وبث الكراهية والبغضاء، وبث السموم في أفكار أجيال المستقبل والشباب، بدلاً من القيم النبيلة والأخلاق السامية.
وأقف هنا عند الجوانب السلبية، حيث نلاحظ مؤخراً تكاثر من يدعون لأنفسهم أنهم أصحاب قيم وأخلاق، وينشرون مقاطع يومية عن حياتهم الشخصية الفارغة، ومعظمها إن لم نقل كلها ، فليسمحوا لي، كلمات ساذجة لا فائدة منها إلا ضياع الوقت، وتتخللها أحياناً مقاطع فاسدة ومفسدة، لا تصلح لأن يراها أو يسمعها من يتابعونها من الأطفال والمراهقين غير مبالين بكيف يمكن أن تؤثر فيهم هذه المقاطع.
وقبل أن نطلب من الجهات المعنية مراقبة هؤلاء، لابد أن نكون جميعاً عند تحمل مسؤولية الرقابة الذاتية وخاصة الموجهة إلى أبنائنا وأجيالنا حتى لا يقعوا في براثن أولئك الذين يتباهون بسيرتهم النتنة.
إننا نريد معلومة أو قصة تزيد فهمنا، وتغرس فينا القيم الحميدة التي تؤازر محبتنا لوطننا وتمسكنا بأصالتنا وموروثاتنا الاجتماعية الفاضلة، وكما يوجد القليل من هؤلاء السفهاء يوجد في المقابل الكثير من الطيبين الذين نحب وأبناؤنا أن نتابعهم ونتعلم منهم، فشكراً لهم.

نقلاً عن "الخليج"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.