«أول فطيرة لا تنجح»
"المعرفة ليست المعلومات، فمصدر المعرفة الوحيد هو التجربة والخبرة" ألبرت آنشتين.
لحظة ميلاد المعرفة يكون من رحم التجريب الذي اعتمد على طريقة التهجين ولكن الأب الشرعي لكيفية مواجهة الحياة هي التجربة، السؤال الذي نواجهه بضراوة هو ماذا يمكن أن تضيف التجربة لنا؟
التجربة هي التفاعل الحقيقي مع الحياة ولها مجالات كثيرة فهي تشمل أي خبرة ومعرفة يكوّنها الإنسان في علاقات مع الآخر أو الواقع بطريقة مباشرة، كذلك اكتساب مهارة القدرة على التمييز والحكم والاتقان، وهناك مثل روسي يقول: "أول فطيرة لا تنجح"، وهذا يعني أن الإنسان لابد أن يجرب ويكرر ويحاول حتى يصل إلى النتيجة التي يرغبها، فهي تعطينا خطة لنتفادى ما يؤذينا أو يقف بطريقنا مستقبلاً، أما التجربة في المجال العلمي فهي مختلفة لأنها ترتبط بقوانين محددة ومعايير صارمة، وتحدثت الفلسفة عن التجربة "حيث إنها وسيلة يلجأ اليها العالم التجريبي لمعرفة القوانين المتحكمة في الظواهر"، ويذكر غوته "أن المعرفة وحدها لا تكفي، لابد أن يصاحبها التطبيق". وقد كان كانط يربط التجربة بمعيار كوني صوري مطابق لمبادئ العقل، أما ديكارت فربط معيار الحقيقة بالبداهة، أما فتجنشتاين فقد ربط معيار الحقيقة بما هو واقعي تجريبي، فلا يمكن أن تكون الأفكار غير قابلة للاختبار، وإذا كانت كذلك فلا يمكن اختبارها وتجريبها، والأكيد أن التجربة تحرك منظومة للكشف عن ملامح كل ما حولك وإدراكها يعطي القدرة على اكتشاف قوانين الحياة، فالحياة العادية تتطلب أيضاً تجريب عوالم متخيلة فهي تسترق السمع لما وراء المستقبل، وتجعل العالم أكبر، فلا يمكن أن نعبر هذا العالم الساخن بتقنيات بسيطة، والعالم المفعم بكل ألوان الصراعات أصبحت التجربة فيه مكوناً رئيسياً لنسيج الحياة وتجعلنا ننظر للمستقبل بشكل أوضح، فالتجربة تحث على التمرس باحتضان المعرفة وتغليب الصورة والأحاسيس والمشاعر الأولية، وكلما كانت التجربة مرتبطة بأفق الحياة المعرفية كلما كان الإنسان اكثر استشرافاً للمستقبل واقدر على تمثيل الوعي الإنساني والانخلاع من المسلمات وخوض الواقع، فالتجريب هو هجرة للجذور الطبيعية بتقنيات متقدمة وتتناسب مع الواقع المتسارع الحركة، لتصنع حفريات في جيولوجيا عقل المجرب، والجميل أن الإنسان لدية فضول كبير لمعرفة ما وراء الأشياء، وكيف نستطيع أن نشبع شهوة الفضول لديه إلا من خلال التجربة. لذلك عندما نتجاوز المألوف ونغامر في قلب التجربة يصبح التجريب حالة إلهام تستحضر الإثارة والعمق والوعي.
نقلاً عن الرياض