.
.
.
.

سيدتي «السبعون»!

عبد العزيز حسين الصويغ

نشر في: آخر تحديث:

أكثر ما يُرهقني عند مراجعة عيادة طبيَّة هو البيانات المطلوبة، مع كل زيارة، وخاصَّة السؤال عن السن؟! ولا يتعلَّق الأمر بذكر العمر، ولكن لاضطراري إلى إعادة ذكره مرَّات عديدة، تجعل الأمر مملاً، عدا ما يُسبِّبه من تداعٍ للأفكار والذكريات، وما يُصاحبها من شؤون وشجون.

** **

أدخل إلى عيادة الطبيب، وألتقي بموظَّف الاستقبال الذي يُخرج كشف البيانات المعتاد، وتبدأ الصعوبة، هنا في القاهرة، في استيعاب الاسم (الصويغ)، حيث يكتبوه حينًا (الصُوير)، وحينًا آخر (الصُغير) ... الخ، فاضطر لإعادته مرَّات، ثم تلقينه حرفًا حرفًا. ثم أنتقل إلى العمر، فلمَّا أذكره أشعر وكأنَّ الممرضة تقول: «هوا أنت لسه عايز تعيش كمان!!»، أو بعبارةٍ أخري: «ما تروح تموت أحسن»؟!

** **

هذه العمليَّة تتكرَّر عند الأشعة أو التحليل، حتَّى أصل للطبيب الذي يُعيد السؤال، وأُعيد الإجابة، وأذكر العمر بالميلادي، وأُسقط منه فرق السنتين بالهجرى. وتنتهي الكشوفات والأشعات والتحليلات ليبقى وقع (السبعين) في أذني، أسترجع معه كلمات د.غازي القصيبي في قصيدته: (سيدتي السبعون!):

أوّاه! سيدتي السبعونَ! معذرةً

بأيِّ شيءٍ من الأشياءِ نحتفل؟!

أبالشبابِ الذي شابتَ حدائقُهُ؟

أم بالأماني التي باليأسِ تشتعلُ؟

أم بالحياةِ التي ولَّتْ نضارتُها؟

أم بالعزيمةِ أصمت قلبَها العِلَلُ؟

أم بالرفاقِ الأحباءِ الأُلى ذهبوا

وخلَّفوني لعيشٍ أُنسُه مَلَلُ؟

** **

مع هذه الكلمات أشعر وكأنَّني أمام وقفة طويلة، أمام الحياة كلها، الماضي والحاضر، والشباب والكهولة، والروح والجسد، والحب والحرمان، والقيد والحرية، وأصدقاء لم يبقَ منهم إلاَّ ذكرى.. وعمر لم يبقَ منه أكثر ممَّا مضى.

وأسمع قبل كل هذا قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾.. (الحديد: 16).

وأقول مُخاطبًا نفسي: بل آن.

#نافذة:

ليس السؤال هل هناك حياة بعد الموت؟ بل هل عشت حياتك قبل الموت؟!.

*نقلا عن صحيفة "المدينة".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.