عالمية التنمية المستدامة 2030... السعودية أنموذج
قبل عامين. في مقر الأمم المتحدة في مدينة نيويورك، تم استبدال أعمال "الأهداف الإنمائية" للألفية التي انتهت دورتها بنهاية عام 2015 بمشروع كوني أكبر وأشمل تحت مسمى "التنمية المستدامة 2030" الذي وافق عليه قادة وزعماء 193 دولة على أن يستمر العمل به لخمسة عشر عاماً قادمة، وهو مشروع باهظ سيكلف الحكومات مليارات الدولارات سنويا، ويُعنى بثلاثة عناصر أساسية هي "النمو الاقتصادي، الاندماج الاجتماعي، وحماية البيئة، ويهدف المشروع إلى تحقيق التنمية وتلبية احتياجات السكان في عالم اليوم دون المساس بمقدرات أجيال المستقبل، وتم اتفاق الأمم على تحقيق أهداف التنمية المستدامة من خلال سبعة عشر هدفاً حيوياً، وفي واقع الأمر تنفيذ هذه الأهداف غير ملزم قانونيا للبلدان، ولكنه مشروع يعمل على تعميم الرخاء وتحقيق السلام والشراكة بين البلدان، وتقرر أن تستعين الأمم المتحدة بمجموعة من مؤشرات الرصد التي تعتمد عليها لجان الإحصاء لديها للتعرف على نتائج ما تحققه الدول، ومن خلال المؤشرات الوطنية التي ستقدمها مختلف البلدان في تقاريرها للأمم المتحدة وتقييم معدلات التطور في كل بلد.
وخلال الخمسة عشر سنة المقبلة ستضع الأمم المتحدة حكومات العالم على محك الجدية في تحقيق أعلى معدلات التنمية والتأكد من أن معايير الأهداف ستطبق، من جهة أخرى فإن كل دولة تتحمل المسؤولية الرئيسية والكاملة في متابعة ما يجري لديها من تقدم تنموي، الأمر الذي يتطلب جمع البيانات النوعية في مسارات العناصر الثلاثة التي ذكرت آنفاً، والتي تستند على متابعة التطورات ومقارنتها بالتحولات السنوية، وعلى صعيد دول الخليج العربي فإن كل دولة قد وضعت لنفسها خطة ورؤية لتنميتها القادمة بمعيار تنموي يتناسب مع ظروفها وإمكانياتها.
فمثلا دولة الكويت أعلنت أن خطتها القادمة 2030 تهدف إلى تحويل البلاد إلى مركز جاذب للاستثمار يقوم فيه القطاع الخاص بقيادة النشاط الاقتصادي، وتشجيع روح المنافسة ورفع كفاءة الإنتاج في ظل جهاز مؤسسي داعم، كما تطمح أيضا إلى ترسيخ القيم والمحافظة على الهوية المجتمعية وتحقيق التنمية البشرية المتوازنة وتوفير بنية أساسية ملائمة لتشريعات متطورة وبيئة أعمال مشجعه وإطلاق عدة مشروعات طموحة بعشرات المليارات من الدولارات.
وبدورها أعلنت مملكة البحرين عن رؤيتها الاقتصادية الشاملة 2030 والتي تركز فيها على صياغة ثلاثة مبادئ أساسية في التنمية هي الاستدامة والعدالة والتنافسية.
وأطلقت الإمارات رؤيتها 2021 التي تهدف إلى أن تكون الإمارات ضمن المراتب الأولى لدول العالم بحلول اليوبيل الذهبي للاتحاد، وقد شارك في صياغة أجندتها التنموية 90 جهة حكومية اتحادية ومحلية.
أما بالنسبة لرؤية المملكة العربية السعودية 2030 فأنا لا أبالغ إن قلت إنها (أيقونة الاقتصاد العالمي) لاختلاف رؤيتها عن أغلب دول العالم من حيث المقومات، فالسعودية دولة تمتلك أكبر احتياطي نفطي على مستوى العالم وهي أكبر مُصدر للنفط والغاز الطبيعي منذ عام 1925 ، ومع ذلك فإن رؤيتها تقوم أساسا على تنمية (ما بعد النفط) وتعتمد على استمرار خطط التنمية الاقتصادية للأجيال القادمة بلا نفط، من خلال صندوق سيادي تُقدر أصوله المالية باثنين إلى اثنين ونصف تريليون دولار، ليصبح بذلك أضخم الصناديق السيادية عالميا، وعندما تطرح شركة أرامكو أقل من " 5%" للاكتتاب العام في البورصة العالمية، تستطيع السعودية العيش بدون نفط حتى حلول عام 2020، كما تعتمد رؤية المملكة على الاهتمام بمصادر الطاقة المتجددة، حيث تم الإعلان عن إنشاء مجمع ضخم للطاقة الشمسية في شمال السعودية، هذا بالإضافة إلى العمل على تحسين مناخ الاستثمار وفتح باب السياحة أمام جميع الجنسيات، بما يتوافق مع قيمها الإسلامية. ناهيك عن سعي السعودية إلى التوسعات الإنشائية والدعم اللوجستي إلى رفع عدد المعتمرين سنوياً إلى بيت الله الحرام من ثمانية ملايين إلى ثلاثين مليون معتمر، وتأسيس أكبر متحف إسلامي في العالم يكون مقره في الرياض عاصمة السلام وذلك لإتاحة فرصة زيارته لغير المسلمين وتعريفهم بالإسلام الحق ديناً وحضارة، بالإضافة إلى إنشاء شركة وطنية قابضة للصناعات العسكرية، أما أهم ملامح رؤية المملكة فهي الانتقال الى تحويل الخطط والأهداف والمشاريع إلى أرقام قابلة للقياس في جميع مراحل التنفيذ وبذلك تستطيع أن تحجز لنفسها مكانا متميزا ضمن المراكز الخمسة الأولى في مجموعة العشرين وتحقق المعادلة التنموية الصعبة وهي تنمية ضخمة وهي تمتلك النفط وتنمية طموحة لما بعد النفط.