صعوبة التعامل مع المحيط وماذا ورّثت
لن أعدم من يتفق معي أن الحياة عبر مدن وطننا وقراه قبل أكثر من ربع قرن أو نحوه كانت أقل شقاء، وأكثر انفتاحا داخل التكوين الاجتماعي. البعض يُسمي عصرنا الحالي عصر الانفتاح، وهذا كما أرى الخطأ بعينه. كانت البساطة وقلة التعقيد في الحياة الاجتماعية هي الانفتاح.
كان الناس يجنحون إلى البساطة وعدم التكلّف. مرّت أيام كانت الأسر والأقارب والجيران والأصدقاء أكثر إلفة مع بعضهم. والزيارات متكررة الحدوث معتادة ولا تحتاج إلى موعد مسبق. فهل يجوز أن نسمّي ذلك الزمن انغلاقا وزمننا المعاصرانفتاحا.
دعوني أقدّم معيارا بسيطا. هل حالة مجتمعاتنا النفسية الآن أحسن حالاً مما كنا عليه في السابق؟. شخصيا أقول لا. فعيادات الاكتئاب والصداع النصفي والرهاب الاجتماعي والأرق لم تكن معروفة عندنا آنذاك. الآن ازدهرت عيادات الطب النفسي الجزافية لا لوعي، ولكن لكون الحاجة سيطرت.
نجد أنّ الحياة العصرية أثرت بشكلٍ سلبي على الحياة الاجتماعية والعلاقات الأسرية، وذلك في ظلّ ازدحام البرامج اليومية بالمخططات والمشروعات المهنية، وخاصةً مع اتساع الاستثمار واتساع حجم الأعمال، حيث أدى ذلك إلى زيادة ساعات العمل اليومي، ورافق ذلك زيادةً كبيرةً في متطلبات العمل من حيث الجهد العقلي والبدني.
كل ما أوردته هو على حساب الدعة والسكينة والراحة النفسية التي كنّا نتمتع بها.
أثق بالقول القائل إن تطور وسائل الاتصال متهم – لكن ليس وحيدا - في هذا الانعزال وسبب تباعد الأسر. لكن أزعم أننا حتى الآن لم يقصر فهمنا للعصر الذي نعيش فيه فهماً مقبولاً، ولا الخطوات المصاحبة. والصعوبة واضحة في فهم الواقع العام. وكلما كانت الأسر متحابة متواصلة كان المجتمع أكثر تماسكا وتلاحما، الأسرة أولاً،
كُتُب الاجتماع جاءت لتقول إن تماسك الأسر هو أساس البناء الاجتماعي، ولم تحسب تلك الأقوال أننا تصاحبنا مع النكد والهموم لدرجة أننا لا نستقبل أحدا طوال يومنا، بل نُعمل الأذهان للخروج من تلك الهموم.
لم يكن الإنسان في الماضي يواجه مشاكل يومية بسبب أن الحياة لم تكن بهذا الإيقاع السريع وكثرة المشاغل، مما يجعله عرضة للضغط النفسي وهو غير عارف بالكيفية التى يتعامل بها هذا الضغط النفسي، وكيف يمكن التخلص منه – لا يمكن لأن الانتقال أسرع من تفكيره.
* نقلاً عن "الرياض"