.
.
.
.

الحاجة أم التوطين!

أحمد الجميعة

نشر في: آخر تحديث:

قصتنا مع التوطين على مدى عقدين من الزمن أو أكثر لم تنضج إلاّ مع السنوات الثلاث الأخيرة؛ لأسباب كثيرة، أهمها استعداد المجتمع للخلاص من "ثقافة العيب" تجاه العمل في المهن التي كان الغالبية يظن أنها أقل من طموحاته، واكتشفنا فيما بعد أنها مصدر ثراء للوافدين، والسبب الثاني تخلي الدولة عن "ثقافة الرعوية"، وتحولها إلى الإنتاج بدلاً عن الاستهلاك، مع تهيئة الفرص المتاحة أمام الشباب للعمل، وتوفير الضمانات والتنظيمات التي تكفل لهم حقوقهم.

وهناك أسباب أخرى ذات علاقة بتوسع الأنشطة التجارية والاقتصادية، وحاجة الفرد إلى العمل بدلاً من انتظار الوظيفة، ونشوء جيل جديد من شباب الأعمال الذي يراهن على وطنه في مهمة النهوض به، والمشاركة فيه، وإحساسه بالمسؤولية معه، كذلك قناعته بقصص نجاح من سبقوه حين كانت البدايات متواضعة وسرعان ما أصبحت أحلامهم واقعاً، وثرواتهم أكبر مما توقعوه.

آخر إحصائية أن نسبة البطالة في المجتمع وصلت (12,3%)، وإحصائية أخرى أن المملكة بحاجة إلى 220 ألف وظيفة يخلقها القطاع الخاص سنوياً، وإحصائية ثالثة أن عدد الوافدين تجاوز عشرة ملايين بنسبة (36%) من إجمالي عدد السكان (31) مليون نسمة، وبالتالي هذه الأرقام تستدعي تحركاً حكومياً لاستيعاب الشباب من الجنسين للعمل في اتجاهين رئيسيين، هما: التوطين، من خلال إحلال السعودي بديلاً عن الوافد في المهن والأنشطة التي تتطلب تواجده مثلما هو حاصل في كثير من دول العالم، والثاني دعم القطاع الخاص كشريك في مهمة التوظيف، والرهان عليه بعد أن أعلنت الحكومة عن تقليص وتزهيد الشباب من العمل فيها، ويتبع ذلك أنظمة، ورقابة، وتحفيز، واستثمار للعنصر البشري في مرحلة ما بعد الرفاه إلى الإنتاج.

قرار وزير العمل والتنمية الاجتماعية عن قصر العمل في المولات على السعوديين؛ قرار صائب، ومفيد في مرحلة التحول الذي يشهده المجتمع قبل مؤسساته، وأيضاً محفز للباحثين عن مصادر دخل إضافية، كذلك –وهو الأهم- تقنين أعداد الوافدين للحفاظ على التركيبة السكانية، وتخفيف الضغط على الخدمات الحيوية في المجتمع.

القرار لن يختبر قدرة واستعداد المواطن للعمل، حيث تجاوزنا ذلك بنجاح في توطين قطاع الاتصالات، وقبلها في مؤسسات القطاع الخاص، ولكن القرار هو استهلال لأنشطة تجارية أخرى نريد المواطن أن يكون حاضراً فيها، أهمها قطاع التجزئة بعد تعديل ساعات العمل فيه، ومحال الذهب والمجوهرات، وسوق الخضار، بما يمهد الطريق لمهن أخرى في السباكة والكهرباء والميكانيكا والنجارة، وهو الاختبار الحقيقي الذي بدأ مع قرار تولي وزير التعليم رئاسة مجلس إدارة المؤسسة العامة للتعليم التقني والمهني، حيث ستكون البداية من المدرسة لتخريج جيل يسد احتياجنا من تلك المهن.

*نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.