.
.
.
.

أدب بيت السيد

فضيلة الفاروق

نشر في: آخر تحديث:

مدّ لي الكتاب وطلب مني أن أكتب عنه بشكل جيد. عدت إلى مكتبي وبدأت أقرأ ما أتحفنا به الكاتب، وأقلب الصفحة بعد الصفحة عسى أن أجد شيئا جيدا يستحق الكتابة، لكن الكاتب أصرّ على المضي قدما في رداءة فريدة.

حملت الكتاب وعدت لرئيسي في القسم وأخبرته أن الكتاب رديء، أومأ لي برأسه أنه يعرف، وكرر طلبه، لأكتب عنه بشكل جيد. وأردف شارحا قبل أن أطرح عليه السؤال لماذا، إن الكتاب يخص شخصا من "بيت السيد" ولأني كنت آنذاك قادمة من عالم آخر لا سيد فيه ولا مسيود، لم أفهم العبارة. وحدث ما لم يكن في الحسبان. اصطدمت برئيسي في العمل، وباتت فكرة "بيت السيد" و"المٌقَدَّس" الذي يكتبونه أكبر من أن تدخل من ثقوب رأسي الضيقة. رميت الكتاب على مكتبه وعدت غاضبة إلى مكتبي.

يومها أدركت أن مساحة الحرية التي كنت أنعم بها سابقا قد ضاقت حين دخلتُ عالم الطوائف، والعائلات السياسية والإقطاعية في لبنان. وأدركت أن "بيت السيد" ليس أكثر من "مربّع أمني" آخر في هيئته الثقافية، ولا يجب للعامة مثلي أن يخترقوه وينتقدوه. وأدركت ما هو أخطر وهو أن هذا الأدب الذي تعلوه راية الحزب وأسلحته تجبرك على الرُّضوخ لقواعد لم تقرأها لا في صحيفة ولا في كتاب، وهي نفسها القواعد التي تصنّفك فيما بعد على أنك من النّوع الذي لا يجب رعايته، ولا تسليمه مهام الكتابة عما يصدر من تحت أجنحته.

مثل الأحجية تفكُّكها وتفهمها ثم ترتسم أمامك خارطة الأقلام التي تُوَزَّعُ حسب تنوعها الطائفي والسياسي في علب صغيرة، وغصبا عنك تجد نفسك قد صُنِّفت في دائرة ضيقة، لكنّها أبعد من أن تكون منبرا تقول من خلاله ما تريد قوله.

هذه الفكرة على بساطتها تجعلنا نفهم أن أغلى الكتاب عندنا يتموقعون في العواصم الغربية، حيث لا مربعات ولا مستطيلات ولا سيد ولا بيك. وأن ما يكتبونه فوق الموهبة والخبرة يُقيّم من خلال بريق العاصمة التي يقيمون فيها، مع مكمِّلات أخرى كنوع المهنة التي يمارسونها، ومدى أهميتها، ونوع علاقاتهم وعدد سفراتهم والمؤتمرات التي شاركوا فيها واللجان التي انتموا إليها... إلخ.

معطيات مختلفة تماما عن معطياتنا نحن، مع ملاحظة أن الكاتب يعيش المذلاّت السبع في بلده، قبل أن يختار منفاه ليرتاح. وأفضل المنافي تلك التي عَبْر التاريخ كانت حاضنة للجميع وآمنت بالتعايش.

ما يوجب علينا قراءة التاريخ جيدا قبل اتخاذ القرارات الصعبة المرتبطة بالحرية والكرامة التي نطمح إليهما.

ولنتذكّر أن الكُتَّاب الحقيقيين مثل الطيور المهاجرة تحتاج دوما لمناخ يناسبها لتعيش وتبذل من أجل ذلك الكثير لتبقى على قيد الحياة، أما طيور الأقفاص فيكفيها شخص يرعاها وحياتها مرتبطة دوما بسلامته.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.