أوروبا «إلى الأمام»
تواجه أوروبا تحديات كبيرة؛ أبرزها تداعيات العولمة، وتأمين الطاقة، وقضايا البيئة، واللاجئون، والإرهاب المنفرد، وأخيراً خروج بريطانيا من اتحادها، وتأثير ذلك كله على الاقتصاد الذي يُعد أساس العلاقة بين الدول الأعضاء، ولكن هذه التحديات على أهميتها لا تمثّل هاجساً أمام ما يحدث من تنامي صعود اليمين المتطرف في أوروبا على حساب أحزاب اليسار الاشتراكي، ويسار الوسط من الاشتراكيين والديمقراطيين.
وعلى الرغم من ديمقراطية الوصول إلى الحكم في أوروبا، إلاّ أن الشعوب الأوربية تميل إلى حد ما إلى اليمين التقليدي (الوسط) بعيداً عن اليمين المتشدد، والآخر المتطرف، وتحديداً بعد سقوط المعسكر الشيوعي وفقدان جاذبيته الأممية والاقتصادية، إلى جانب الخوف من تلاشي الهوية المحلية على حساب المصالح الاتحادية لأوروبا؛ مما ساهم في صعود اليمين في أكثر من دولة أوروبية، فضلاً عن محاولات صحوية لجمع الصفوف اليمينية المتطرفة كما حصل مؤخراً في ألمانيا.
إذاً؛ اليمين المتطرف يتشكّل بقوة في أوروبا، وهذه حقيقة، ويفرز معها أجنداته في التعصب الديني، والعنصرية القومية ضد اللاجئين والمهاجرين والمسلمين تحديداً، وتعميق الانقسام السياسي والاجتماعي والإنساني في المجتمعات الأوربية المتحضّرة، وما نتج عنه من إثارة الجماهير بخطاب شعبوي عاطفي على حساب المصالح العليا لأوروبا.
ومع تنامي هذا الهاجس؛ تحركت قوى وفعاليات سياسية مناهضة لليمين المتطرف، وتشكّلت حركات التغيير الشعبي على غرار حركتي بوديموس في أسبانيا، والنجوم الخمس في إيطاليا، وأخيراً حركة "إلى الأمام" التي شكّلها إيمانويل ماكرون العام الماضي، وحدد مسارها بأنها لا يمينية جمهورية ولا يسارية اشتراكية، وإنما حركة تنحاز للقيم، وتلتزم بالمبادئ التقدمية، ونجح من خلالها في الوصول إلى الحكم كرئيس ثامن في الجمهورية الخامسة، وأصغر رئيس في تاريخ فرنسا الحديثة.
لقد تنفّس العالم مع وصول الرئيس ماكرون إلى قصر الإيليزيه رئيساً لفرنسا، حيث كانت منافسته اليمينية المتطرفة مارين لوبن تمني النفس في إحداث النكسة الأوروبية بوصول حزبها إلى الحكم، ولكن إرادة الشعب الفرنسي المنفتح بقيمه، وسلوكه، وقبل ذلك قناعته؛ اختارت "إلى الأمام" بديلاً للتغيير عن اليمين واليسار أيضاً، وكانت النتيجة اكتساح انتخابي في حدود الثلثين من الأصوات.
التغيير سر الفوز الذي أشعله ماكرون، وسيبقى مشتعلاً في أوروبا وكل مكان؛ لأن الجماهير سئمت من تقليدية الخطاب والممارسة، وتبحث عن شخصيات جذابة تمنحها التفاؤل، وفرصة الظهور، والخروج إلى فضاء جديد مختلف تخوض فيه تجربة الشباب بعيداً عن الأحزاب المثقلة بالصراعات والمصالح، وتكتب معها صفحة للتاريخ عنوانها التغيير ولا سواه.
* نقلا عن "الرياض"