.
.
.
.

وزارة الإعفاء.. لشؤون الشوارع

علي القاسمي

نشر في: آخر تحديث:

تخجل بكل صدق من تغليب العاطفة على العقل، وتخجل أكثر إذا كان هذا التغليب يصدر من وزارة يفترض منها أن تعمل على تغليب العقل وتعزيز الوعي وقراءة الواقع بشيء من الهدوء والشمول والإيمان بأن الحكاية برمتها ليست حكراً على جغرافيا من دون أخرى أو مربع من دون أخيه. الحديث بالطبع عن وزارة التعليم تلك التي تفاعلت بحماسة زائدة عن الحد ومجانبة للصواب وبدت تغرد خارج السرب تماماً، وكأنها بمنأى عن الميدان التعليمي، حين اتجهت إلى إعفاء فوري لقائد مدرسة بذريعة تمزيق كتب في شارع مجاور للمدرسة التي يديرها، وكأن المدير مسؤولاً عن شوارع الحي والممرات الضيقة والميادين الفسيحة، وليت أن هؤلاء الطلاب المشاكسين قاموا بتمزيق الكتب بالقرب من موقع الوزارة المندفعة حتى نستمتع بشيء من الخيال في أن يحدث إعفاء المسؤول الأول عن المبنى الملاصق لميدان تمزيق الكتب.

لا أنتمي لقطاع التعليم حتى لا تحسب هذه الأسطر من باب العاطفة والولاء المهني، ولا علاقة لي بمكان تمزيق الكتب، لكني أحمل استياء من الوزارة التي استيقظت فجأة على الضعفاء، وإزاء ظاهرة ليست وليدة مدرسة تبوك ولا نتاج ضعف مديري المدارس وسوء إشرافهم، هذه الظاهرة تحدث في كثير من مدارسنا، وكان جديراً بالوزارة أن تعالج بعين العقل والخبرة كل الظواهر الناهضة بين وقت وآخر، ليس على صعيد تمزيق الكتب فقط، بل لجملة من الظواهر التي لو تم سردها لكانت الوزارة قائمة على مهمة تشكيل اللجان فقط.

لن ألوم من يقول أن وزارة تتعاطى مع حالات كهذه بهذا التسرع لن تكون قادرة على حل مشكلات عالقة في جبينها، بل وتكتشف في هذا الإطار أنها مجرد رد فعل نحو ما يسفر عنه صيد الكاميرا أو يشيء به الميدان التعليمي، ورد الفعل على الأغلب يفتقر لأدنى مقومات الذكاء والاحتواء والرغبة في التصحيح، ولا يميل لوضع اليد على الجرح، بل يصر على صناعة كبش فداء في منعطفات الحرج ومحطات الفشل العام. تمزيق الكتب كحالة أخيرة كان علاجها - وفق رأي الوزارة - إعفاء مدير المدرسة المجاورة للشارع الذي تم فيه مشروع التمزيق، فيما يظل السؤال الحاد والمزعج عن كبش الفداء الذي يمكن أن نختاره إذا ما تمددت على الطاولة مأساة سوء التعليم.

على وزارة التعليم المختنقة بطابور من الملفات الحاسمة المزعجة وما يصاحبها من القضايا والظواهر أن تفكر جدياً وجيداً في طقوس كرنفال الخلاص من وعثاء المدارس وكآبة المحتوى وسوء المناظر التي تحيط بجدران مؤسساتنا التعليمية، وقبل أن تندفع في إبَر الإعفاءات، وكبسولات اللجان، ومراهم التجميل الموقتة، عليها أن تقيم الواقع بدقة وعلى كوب من الشاي وتذهب لمفاصل القضايا بالنيابة عن الركض في الهوامش والحواف ونحو البسطاء، الذين لم يكن ذنبهم يوماً ما إلا أن كانوا مديرين أو معلمين في وزارة تكافئهم بالعقاب، وتظن أنهم وراء كل ظاهرة وخلف كل مقطع، ومسؤولون عن إرضاع الطالب حب المدرسة والاختبارات والكتب، المسألة يا وزارتنا الطموحة والمندفعة أن قضايانا متشعبة، وما تمزيق الكتب كمثال خجول إلا دليل صريح في أن المشوار شاق، والوقوف عند هوامش الأوراق المتشعبة يعوق من التفرغ للمسائل العميقة، أو على الأقل قراءة أورام الأوراق المتشعبة بعمق وهدوء ودهاء لا انفعال وحماسة والتخدير بجملة «تم اتخاذ الإجراء اللازم»!

*نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.