.
.
.
.

لماذا اختار ترامب الرياض؟

جمال بنون

نشر في: آخر تحديث:

كل التكهنات الآن تدور حول لماذا اختار الرئيس الأميركي دونالد ترامب زيارته الخارجية الأولى إلى المملكة العربية السعودية، وليس إلى فنزويلا أو المكسيك ولا حتى كوريا الشمالية لمعالجة مشكلة الأزمة النووية مع جارتها كوريا الجنوبية؟

ولم يكن يدور في خلد أحد أن الرئيس الأميركي الأكثر جدلاً سواءً خلال فترة الانتخابات الرئاسية أم حتى بعد فوزه، والذي كان يهاجم المسلمين ويصف البلدان الإسلامية بأنها تفرخ الإرهاب، وهاجم السعودية وأطلق العديد من العبارات خلال فترة الانتخابات، وفي الأيام الأولى بعد تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة، فأجا العالم بمنع دخول مواطني بعض الدول العربية إلى الولايات المتحدة بزعم الإرهاب، وهو القرار الذي أحدث ضجة داخل الولايات المتحدة والأوساط العالمية؛ فلماذا يختار رجل بعد كل هذا دولة كانت تحت مرمى تهديداته وانتقاده، ليبدأ زيارته الخارجية الأولى لها وأن تكون أولى محطاته؛ فمن هو الكاسب من هذه الزيارة؟

نجحت الديبلوماسية السعودية في إقناع الرئيس الأميركي الجديد أن ينطلق في دورته الرئاسية الجديدة من خلال بوابة السعودية، ولم يكن الأمر سهلاً لإقناع الإدارة الأميركية بأن يبدأ ترامب جولته إلى العالم، وبخاصة أن الكثير من القضايا التي أعلنها دونالد ترامب تتوافق مع الرؤية السعودية، بل إنها من الثوابت التي تعمل عليها منذ عقود، فهي تقود حرباً قوية ضد التطرف والتشدد وتحارب الإرهاب، وتلاحق الإرهابيين ولديها قاعدة معلومات كافية عن المتشددين وتتابع تحركاتهم، وأسهمت كثيراً في تمرير الكثير من المعلومات بين الاستخبارات في البلدان الأخرى، ولعل آخرها تحقيق ضربات استباقية لأوكار الإرهابيين، وهي إنجازات متلاحقة للأمن السعودي في تفكيك والقبض على شبكات ومجموعات إرهابية، وهي توجهات الإدارة الأميركية نفسها.

وفي قضايا الشرق الأوسط هناك تباين واضح حول الأوضاع في سورية واليمن، وضرورة أن تنتهي ديبلوماسياً ولا موقع للرئيس بشار في الحكومة المقبلة في سورية، وهناك نقاط عدة، منها ديبلوماسية وسياسية تلتقي فيها السياسة الأميركية - السعودية.
الشيء اللافت للنظر أن الديبلوماسية السعودية نجحت في تغيير رأي ترامب من بعض القضايا والأفكار السلبية التي يحملها عن السعودية، فهو كان يعتقد أن السعودية داعمة للإرهاب والإرهابيين، وأن النفط هو ما تملكه، كما يجب على الأميركيين أن يفرغوا جيب السعوديين المليء بدولارات النفط.

استطاعت الديبلوماسية السعودية أن تقنع ترامب أن بوابته إلى الشرق الأوسط والعالم الإسلامي يجب أن تكون عبر السعودية، وهو بحاجة إليهم في المرحلة المقبلة، فالسياسة الأميركية خلال الأعوام الثمانية الماضية، ألحقت الضرر بعلاقاتها الديبلوماسية والاقتصادية نتيجة أنها أدارت ظهرها للسعودية، وتركت الذئب الإيراني يسرح ويمرح في المنطقة، ولم تستوعب أبعاد هذا الإهمال إلا أخيراً بعد أن أصبح الذئب الإيراني يشكل خطراً على السياسة الأميركية ومصالحها في المنطقة، فهي لا تريد أن ترتبط بحليف فوضوي لا يشعر بالمسؤولية ومزعج لجيرانه.

تبرز اليوم السعودية في ظل المتغيرات السياسية والاقتصادية دولة لديها مقومات قيادة المنطقة في جوانب اقتصادية وسياسية، ليس لأنها بلد يملك النفط وتمثل قوة اقتصادية فاعلة، بل لأنها هي قبلة العالم الإسلامي (أكثر من 1,5 بليون مسلم يتوجهون إليها)، كما أنها تمثل الاعتدال في التعامل مع مختلف القضايا الجوهرية، وتمثل أحد أنشط الاقتصادات في منطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي وفرص جيدة للشركات الأجنبية للاستثمار فيها، فضلاً عن أن رؤية السعودية 2030، التي وضعتها، تعتمد بالدرجة الأولى على تنويع مصادر الدخل وتقليص الاعتماد على النفط مصدراً رئيساً للدخل، وهذا يعني أن هناك فرصاً كبيرة للشركات الأميركية لكي تحصل على حصة من كعكة الاستثمار الأجنبي، وتخلق فرص عمل في الجانبين السعودي والأميركي، وبخاصة أن الرئيس الأميركي توعد في كلمته في حفلة تنصيبه أنه سيسعى لتوفير فرص عمل اختطفت في السنوات الماضية للأميركيين.

لدى السعودية مشروعاً ضخماً خلال السنوات المقبلة، يتعلق بتحديث البنية التحتية وتوظيف تقنية الاتصالات وتطوير صناعتها العسكرية وتوجيه القطاع الخاص ليكون شريكاً مهماً في المرحلة المقبلة، مع فرصة تحويل أكثر من 13 وزارة حكومية للتخصيص، إضافة إلى بناء قاعدة مهمة لبرامج الترفيه وصناعة الثقافة، ما يعني أن التطور الذي ينتظر السعودية وتقديم تسهيلات للمستثمرين المحليين والأجانب مغرية للعديد من الشركات الناجحة لتحقق عوائد جيدة مع تطوير الخدمات.

الآن، بالإمكان اعتبار السعودية ورشة عمل كبيرة ومن يغيب عنها أو لا يستغل هذه الموجة الاستثمارية سيكون خاسراً، ولا سيما أن معظم الشركات الأجنبية تبحث عن فرص وموقع قدم لاستثماراتها، ولن تجد أمناً واستقراراً وبيئة مناسبة أفضل من السعودية.
يحسب للقيادة السعودية نجاحها في إقناع ترامب لاستهلال زيارته الأولى خارج الولايات المتحدة بعد تنصيبه، كما يحسب لها أنها استطاعت أن تغير قناعاته تجاه الدول الإسلامية والشرق الأوسط خلال الـ100 يوم الأولى من دورته الرئاسية، وهو إنجاز لم يأتِ من فراغ، فالعلاقة بين البلدين عميقة وتاريخية وإن شابها بعض الغموض والفتور في فترات سابقة، إلا أنها ظلت متماسكة في معظم أوقاتها. قمة الرياض وواشنطن لها أهمية كبيرة في أوساط المتابعين السياسيين والمراقبين الاقتصاديين، لكون الاستعداد لهذا اللقاء وتحضير جميع الملفات المهمة التي سيتم مناقشتها كان بشكل دقيق.

من جهتها، قدمت السعودية الدعوة لحضور هذه القمة إلى رؤساء دول عربية وإسلامية لأجل أن تتوحد الرؤى وتحديد مستقبل المنطقة في المرحلة المقبلة، ووضع أسس وقواعد لها يهم الجانبين، وبالتأكيد ستكون القضية الفلسطينية أحد أهم الملفات التي ستكون حاضرة لتحديد الموقف النهائي من مشروع السلام في المنطقة، وملف آخر سيكون ساخناً وهو موضوع وضع حد للتمدد الإيراني ودعمها التشدد والإرهاب.
على مدى يومين، ستبقى وكالات الأنباء العالمية على استعداد لنقل أهم التصريحات والأخبار التي ستصدر من القمم الثلاثة التي ستنعقد في الرياض، إذا كان الإعلام الغربي يروج أنها زيارة لتحقيق صفقات عسكرية للأسلحة الأميركية، فالجانب السعودي والعربي يرى أنه حقق أكبر انتصار بتغيير قناعات الرئيس الأميركي تجاه بعض القضايا المتعلقة بالشرق الأوسط والعالم الإسلامي، وأن الفرصة التي تعرضها السعودية لن تتكرر، وعلى الأميركيين أن يستغلوها ويستفيدوا منها، لأنها لو خرجت من أيديهم، قد يقتنصها آخرون، وأقصد هنا فرص الاستثمار.

نقلاً عن الحياة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.