.
.
.
.

الســـاحـرة

عبد الله بن بخيت

نشر في: آخر تحديث:

عندما كنا صغارا في مدينة الرياض في الستينيات والسبعينيات كان هناك حي فقير وبائس يطلق عليه شلقا. معظم قاطني هذا الحي عمال فقراء من دولة خليجية. وقع هذا الحي وأهله عرضه للشائعات. من أهمها أن سكانه يعملون نهارا في الرياض ومع حلول الليل يقلعون على جذوع النخل بقيادة قطط مسكونة بالجن ليباتوا بين أهليهم البعيدين. (كان مطارا دوليا لا تعلم عنه الحكومة السعودية).

تمتلئ كتب التراث العربي والعالمي بقصص خرافية على هذا النسق. بعض الشعوب انتهى منها وبعضها مازال يؤمن بما جاء فيها ويعيد إنتاجها بتكريسها في عقول العامة ليحقق الدجالين المكاسب. اختفت قصة شلقا لحظة أن وضعت المملكة قدمها في التعليم والعصر الحديث، ولكن الصحوة التي اجتاحت المجتمع أعادت هذه المفاهيم وطورتها وجعلت لها رجالا مكرسين يروجون لها بطريقة ممنهجة.

انتشرت اتهامات الناس بالسحر بين الشعوب المختلفة ولكنها في أوروبا العصور الوسطى كانت الأبشع والأشد قسوة. تم تعذيب وقتل مئات الألوف من النساء وقليل من الرجال بتهمة ممارسة السحر وانتهى بأكثرهن إلى الحرق. حتى قال أحد المؤرخين إن ما جرى في أوروبا باسم السحر كان أكبر وأبشع عار ارتكبته الحضارة الغربية.

بدأت حملة مطاردة البائسات بتهمة السحر بفتوى من البابا جريجوري التاسع في القرن الثالث عشر الميلادي، ولكن الحملة تكرست وتوسعت عندما أعلن البابا إنوسنت الثامن فتواه في قداس عقده عام 1484م (أن وجود الساحرات أمر مؤكد تماما وأنه من الهرطقة التشكك في وجودهن وواجب قتلهن). أسس هذا البابا هيئة دينية من أهم مهام هذه الهيئة التصدي للسحر والسحرة.

يعد كتاب (مطارق الساحرات) الذي ألّفه (هاينريش كرامر ويعقوب سبرنجر) المرجع الأول في مطاردة الساحرات وتعذيبهن والمرجع الأول في الرد على المشككين في حقيقة السحر وتكفيرهم. يؤكد بعض الباحثين أن هذا الكتاب أقذر كتاب صدر في تاريخ البشرية. بفضله أزهقت مئات الألوف من الحيوات البريئة حرقا بتهمة السحر. لم يقتصر تأثير هذا الكتاب على مسيحيي العصور الوسطى. مازال تأثيره قائما على طوائف مسيحية في عصرنا الحالي. مع الأسف تعدى تأثيره الدين المسيحي إلى الأديان الأخرى.

خطورة هذا الكتاب في نقل الخرافات المتعلقة بالسحر من الثقافات الهمجية والأسطورية إلى الأديان التي جاءت لإخراج الناس من الخرافات.

رغم تحكم السحر في عقول الناس لم يجرؤ أي رجل دين ممن يحاربون السحر أن أقام تجربة واحدة أمام الناس تثبت أن هذا المتهم أو ذاك ساحر فعلا. كل ما يقوم بعرضه ضد المتهم بعض الخرق والأوراق المطلسمة فتذهب العقول ضحية سلطة رجل الدين على عقولهم لا السحر المزعوم. يقول فولتير: انتهى السحر في بلادنا عندما توقفنا عن مطاردة السحرة والساحرات.

نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.