«الانحراف الفكري» يعود من جديد!
كانوا في السابق إذا أرادوا غلْق بلد ما على نفسها ومنْع شعبها من الخروج فعليهم أن يخوفوها بالايمبريالية الأميركية وسرقتها للمدخرات وقدرتها على تغيير العقول وتنمية الفجور.. وهكذا فعل السوفييت في السابق. ولا ننكر أن للأميركين دورا مضادا في التخويف من الشيوعية.
الحجر الشيوعي على بلدان كثيرة، انهار مع انقلاب البرلمان السوفياتي 1991 واتضحت الصورة أن التخويف قائم بين المعسكرين حد بلغت القلوب الحناجر.. ولم يقرأ العالم أنك بحسب متانتك الداخلية ستكون سدا منيعا لكل ما هو ليبرالي فاسق أو شيوعي مغلق، لذا فالتقافز السريع لدول السوفييت المنفصلة عنه بعد انهياره في أحضان الليبرالي الغربي الأميركي ما هو إلا دليل على أن تضخيم الصورة قد جعلها تعاني دهرا.
الأمر الآن لم يبق إلا لدى بعض الأيديولوجيات المتخلفة في العالم وأذنابها من المتكسبين، فترديد المطالبة بالموت لأميركا استمرت مع الحكومات الديكتاتورية التي نعنيها بالأيديولوجيات المتخلفة فها هي إيران وعبر نشرها لثقافتها البالية أول ما تبدأ به لدى الشعوب التي تستهدفها رفع شعارات التخويف من أميركا ومن إسرائيل وكأن بلدا كاليمن يخشى هجوما إسرائيليا في أي لحظة أو احتلالا أميركيا لبلد يتمنى أهله مستعمرا غربيا ويدعون بأن يعيد عليهم أيام الاستعمار الجميلة بدلا من الحال المتردية مع ديكتاتورياتهم البغيضة.
هنا لسنا في محل وضع الصفات الملائكية على أميركا ومناهجها بل نعترف وبصوت عال أن أميركا بلد متكسب من قوته وهيمنته، وبقدر ما تأخذ تعطي، وتضع مصالحها فوق أي اعتبار، والحصافة تحضر هنا بكيفية التعامل معها ونيل المراد منها دون أن تكون البلاد مطية لها تتحكم بها.. فالسعودية قالت لا.. لأميركا وليست أي.. لا.. بل كبيرة وغاضبة حينما رأت اعوجاجا في تعاملاتها مع ما يضر بالصالح السعودي، وأعلنتها صريحة بتراجع التعاملات وبالاستقبال الباهت الذي لقيه الرئيس السابق أوباما في الرياض، وحينما تحسنت لغة المصالح المشتركة والاحترام المتبادل والحرص على مصلحة كل طرف في التعاملات مع الآخرين، عادت السعودية وأميركا شريكين كبيرين وفق استراتيجية عنوانها المصالح المشتركة.
الآن وفي ظل الاتفاقيات الكبرى السياسية والاقتصادية والمشاركة العظيمة من دول العالمين الإسلامي والعربي في القمم الثلاث التي جرت في الرياض منتصف الشهر الجاري يبدو أن أذنابا عربية أقلقها الأمر فأطلت من جديد لتحذر من خطر الليبرالية الأميركية ووجوب التصدي لها ليذكروننا بالشيوعيين العرب خلال حقب الحرب الباردة بين السوفييت والغرب وتحذيراتهم الموجعة التي أوصلت بلدانا عربية كثيرة إلى الحظيظ.
المشكلة الأكبر أن الأصوات التي تسابقت على القنوات والوسائل الإعلامية الأخرى كانت تحذر من الهيمنة الأميركية على الموارد العربية وكثير من تلك الأصوات تعيش في الغرب الأوروبي الليبرالي أو في كنف أميريكا بحرية وأريحية لم يجدوها في بلدانهم الأصلية.. وماذا بعد.. هم يريدون السعودية أن تضع استثماراتها في بلاد العرب كفكر شيوعي يشدد على أن أميركا خطر كبير يجب الحذر منه، رغم أن التاريخ الحديث قد أثبت لنا كسعوديين أن اللص والمخادع هم كثير من العرب الذين أغدقت عليهم السعودية من أعز مالها ولم تجد منهم إلا النكران والجحود وفي مرات كثيرة المؤامرات؟!
ما يمارسه كثير من العرب الخائبين هو أقرب إلى نوع من الانحراف الفكري الذي تكوّن من تبني واستخدام الأفكار الشاذة وتلك المضرة الممسوخة التي عفا عليها الزمن وأدرك العالم أنها بالية منتهية.. هم من نوع ساقط فكريا وسياسيا سلاحهم المزايدة والضجيج المرتفع بالقوميات والوطنية والدم العربي.. هؤلاء الذين لم تظهر احتجاجات خطابهم تجاه العدو الفارسي وهو يُفسد ويقتل في اليمن ولبنان والعراق والبحرين وسورية، لم يحركوا ساكنا حتى لو من حرص عربي تهمه مصلحة أمته وبلدانها ومن لا يفعل ذلك ويتبنى ما هو غير منطقي يمثل أعلى درجات الانحراف الفكري.. لذا فلا ريب إن كان ما يبنى عليه تفكيرهم هو انحراف فكري وإعلامي سياسي لا يتضح منه إلا التعبير عن العدوانية والبحث عن المصلحة الشخصية؟!
الآن دقت ساعة الحقيقة أمام كثير من البلدان والمؤسسات والإعلاميين والكتّاب العرب الذين ظهروا بأحقر حال لهم، ولن نلومهم بأكثر من لومنا لأنفسنا حينما لم نتعلم الدرس إبان احتلال العراق للكويت وكيف انقلبوا هم وأسلافهم المتكسبين ومعهم قطيع عربي كبير ليؤيدوا الاحتلال ويطالبوا بدحر الليبرالية الأميركية، ليس إلا أن المتضرر هي البلاد النفطية الخليجية العربية؟!
هذا الفكر الإعلامي البالغ السوء دولا ومؤسسات إعلامية وأفرادا يجب أن يواجه بحزم من قبلنا بحيث ألا تسامح مستقبليا معهم، فهم يريدوننا وفق مصالحهم دون خجل، يفعلون ذلك لأننا من عودهم وقبل اعتذاراتهم كثيرا.
* نقلا عن "الرياض"