الشامي والمغربي
عندما اتسعت عباءة حسن نصر الله في لبنان, بحيث اندس داخلها مجموعة من نخب اليسار العربي واللبناني, بدا المشهد سورياليا للغاية إلى الدرجة التي جعلتنا نستجير بالمثل المصري (إيه لم الشامي على المغربي).
وخطوط التقاطع والتنافر بينهما أكثر من أن تحصى, بل إن مشروع النخب اليسارية في عالمنا العربي قد تأسست لمقاومة بنى التخلف التي تختزلها هيئة السيد حسن وحزبه.
فهو حزب يقوم على أسس عقدية طائفية, بينما اللعبة الديمقراطية لدى اليسار لا تدخل فيها الطوائف والعقائد على وجه الإطلاق, بل هي تعتبر مغمزا في العملية الديمقراطية (التي يرون أنها الشكل الأكثر عدالة وأمنا في تداول السلطة) ولكن تبنى على أسس المواطنة وإرادة الشعوب وليس العرق أو الطائفة.
كما أن الهيكلية التي تنظم أتباع الحزب هي أقرب ما تكون إلى المليشيا المسلحة جامعة الإتاوات منها إلى حزب سلمي مدني, من الممكن أن تمر به السلطة يوما ما, ومن ثم تغادره إلى حزب آخر أكثر قدرة على إدارة البلاد, ولكن من المستحيل حدوث هذا, فعادة السلطة حين تصل إلى الحزب الديني فإنها تستقر لديه بموجب الحق الإلهي, ولا يعود أي من الأطراف قادرا على الوصول إليها, عدا عبر قانون (التغلب) وهو القانون الأزلي الفعال في العالم العربي.
اليسار التقدمي له أحلام إنسانية كبيرة, سواء في الموقف من حرية الفكر والفلسفة, والعلاقة مع الآخر, وتمكين المرأة, ودعم والفنون والآداب, حيث يجعلها جميعا مؤشرا على تمدن وتحضر الشعوب, ولكن حزب الله أسقف التفكير لديه منخفضة, والنشاط الفكري لديه ينحصر في خطب السيد, المجمعة من شتات شعارات اليسار والمظلوميات الكربلائية, وقناة المنار أنموذجا.
جميع ما سبق يوسع الشرخ الذي يفصل بين الأطراف, ويجعلنا نستغرب هذا الاصطفاف داخل عباءة السيد, رغم إن مشروع المقاومة بات الآن يشبه الطرفة, وسجله المدمى بعد فظائع احتلاله سورية, يبرز أهدافه وانتماءاته بلا مواربة.
ولكن بنظرة متفحصة في المشهد, سنعرف بأن الذي جمع اليسار داخل العباءة هي الأيديولوجيا (العقيدة الفكرية) وعبادة الأصنام الذهنية, والانصياع لها والتسليم بأوامرها, التي تلغي إحساسهم بالزمن, وتنسدل ستارا يعطيهم صورة زائفة عن الواقع, يقول الفيلسوف الفرنسي ألتوسير: (إن الأيديولوجيا لا شعورية في جوهرها, حتى وإن قدمت لنا نفسها بشكل واع).
ولعل هذا وحده قد يفسر لنا ما الذي (لمّ الشامي على المغربي).
* نقلاً عن "الرياض"