الجاسوس الذي كاد أن يصبح رئيساً

عبد الرحمن السلطان
عبد الرحمن السلطان
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

قبيل العام 1965م وجد "كامل أمين ثابت" نفسه عضواً قيادياً في حزب البعث العربي الإشتراكي في سوريا, الرجل الذي صعد بسرعة نحو أن يُعرض عليه منصب وزير الدفاع السوري وحتى منصب رئيس سورية؛ هذا الرجل لم يكن سوى الجاسوس الإسرائيلي "إيلي كوهين"!

قصةٌ من الخيال, تكاد تكرر من جديد, ولكنه هذه المرة أمام أعيننا, فإيلي الذي هاجر إلى إسرائيل عام 1957 بعد أن أفرج عنه في مصر, التحق بالعمل مترجماً في وزارة الدفاع, ثم المخابرات الاسرائيلية التي وجدت فرصة ذهبية الاستعانة به كونه ناطقاً أصلياً بالعربية, حيث لفقت له هويّة جديدة باسم تجار سوري مسلم يعيش في الأرجنتين, وتم تدريبه على استخدام أجهزة الارسال والاستقبال اللاسلكي والكتابة بالحبر السري, ناهيك عن حفظ كل أخبار سوريا وشخصياتها البارزة.

قصة طويلة حتى وصل إلى "بوينس أيرس" من تشيلي, وهناك تعلم الأسبانية, واختلط بالجالية السورية وأدعى الروح الوطنية وبالغ في حنينه للوطن, لدرجة أنه صار مقرباً من السفارة السورية, فباع تجارته ويمم نحو دمشق مطلع العام 1962م. خلال أشهر قليلة استطاع بناء شبكة علاقات واسعة مع ضباط الجيش ثم أعضاء الحزب, وصار مطلعاً على كل تفاصيل عتاد الجيش السوري وخططه, بل استطاع أن يتجوّل بحرية في تحصينات مرتفعات الجولان ومنطقة القنيطرة, وأن يبعث بصور تفصيلة للدبابات الروسية والخطط العسكرية التي أعدها الخبراء الروس.

بعد نحو ثلاث سنوات من العمل بحرية في دمشق سقط الجاسوس الإسرائيلي بصدفة أن السفارة الهندية واجهت تشويشاً على إرسالها اللاسلكي, مما استدعى الأمن السوري لمراقبة المنطقة المحيطة, ليقبص على "كوهين" وهو يرسل تقريره الأسبوعي, ويحاكم سريعاً ويعدم وسط دمشق, والجميع غير مصدق لهول ما حدث.

شكّل سقوط الجاسوس صدمة كبيرة وسط القيادات الحاكمة في دمشق, ذلك أنه استطاع التغلغل دون لفت الأنظار, وحقق مراده بتسريب ونقل جميع الأخبار والخطط المستقبلية للعدو الصهيوني, لكن ما العبرة من التذكير بهذه القصة القديمة؟ هل يعيد التاريخ نفسه مرة أخرى؟ ولكن هذه المرة عياناً بياناً دون أن يتوارى وراء شخصية زائفة؟

ألا يوجد اليوم إسرائيلي -لا يخجل من تاريخه- متحكماً في مفاصل دولة عربية؟ مسيطراً على أذرعتها البحثية والإعلامية؟ محققاً لدولته التي لا يزال يحمل جنسيتها كل ما تطمح له من هدمٍ ممنهجٍ لأنظمة الدول العربية, ونخراً متواصلاً في استقرار شعوبها, وتدميراً جاداً لمستوى ثقة الشباب بأوطانهم ومستقبلهم؛ فقط ليخلو الطريق لإسرائيل نحو مزيد من التوسع أو على الأقل تثبت واستقرار دولتها, بينما يقبع الجميع في وسط أتون فوضى مدمرة وشتاتٍ مرعب, نتيجة توصيات وأعمال من يدعي الهرب من إسرائيل, بينما كل ما يقوم به يحقق مصالحها يوماً بعد يوم! حقاً إنه عمى البصيرة وليس عمى الأبصار.

* نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.