قطار.. قالوا لنا.. يفيض
في مسرحية عادل إمام الشهيرة " شاهد ماشافش حاجة" وفي مشهد المحكمة عندما يستجوب القاضي نظيم شعراوي عادل إمام في حادثة قتل الراقصة التي تسكن في نفس عمارته وماذا يعرف عنها وكيف كانت سمعتها؟ ومن يتردد عليها؟ فقال عادل إمام بطريقته المبدعة الحقيقة أنا ها أقول واستغرق وقتاً طويلاً من أجل أن يقول إنهم قالوا له عنها أنها ست مش ولابد.. وهنا تدخل المحامي ومدح القتيلة وقال إنّ كل ماقيل عنها لاصحة له والدليل "قالوا له... قالوا له" والتي أصبحت بعد ذلك من إفيهات المسرح الكوميدي...!
قالوا له ...أو قالوا لي... أو قالوا لهم... كلها جمل تؤدي نفس المعنى... فعندما يحكي لك أحدهم حكاية أو قصة بحماس وتسأله هل كنت هناك؟ أو كنت شاهداً على ماجرى... يتردد ويقول لك: لا بس كلمني أو حكى لي شخص ثقة... وبين ماحكاه الثقة وبين ماوصل إليك ومانقلته هناك تغيرات في الحكاية وهناك اختلافات في ملامح الرواية التي تعاد صياغتها بحسب مفهوم ومزاج كل شخص وصلت إليه ونقلها إلى غيره...!
الناس ترى بأعينها ولكن تصدق بعقلها وقلبها وليس كل ماتراه العين صحيحاً... لأن هناك ماهو خلف النظر وماهو خلف ماتراه... كنت أشاهد يوتيوب قصيراً وموجهاً لمدة دقيقتين والواقع أن من كتبه ومثله بطريقة كرتونية كان رائعاً.. حيث يأتي مسؤول الشرطة إلى والي المدينة ليقول له إعطني الإذن للقبض على سيدة يقول الجيران إن الرجال يدخلون منزلها ويخرجون طوال النهار... فقال له: هل تحريت؟ قال: ولكن الجيران هم من أبلغوا بذلك وعلينا القبض على هذه السيدة فوراً... قال له الوالي: إن بعض الظن إثم ... أترك لي الأمر وسوف أتحرى عنه... وبعدها ركب الوالي حصانه وطرق باب السيدة التي فتحت له وقالت: تفضل... ولكن أعطني دقيقة لأعطي والدي المريض دواءه... تعجب الوالي مما سمع وشاهد رجلاً مريضاً في الفراش وابنته تقوم على خدمته... التي قالت للوالي دون ان تعرفه.. ماذا تريد عباءة جوخ أم عباءة حرير؟
لم يعرف الوالي ماذا يقول لأنه جاء ليعرف ماذا يجري في هذا البيت الفاسد واكتشف أنّ هذه السيدة كما قال والدها تحيك العباءات وتبيعها للرجال ولا تستطيع أن تغادر بيتها لأنه لا يوجد من يرعى والدها أو يعطيه الدواء... اشترى منها الوالي عباءتين ومنحها مبلغاً كبيراً من المال وغادر بعد أن اكتشف أن الجيران لم يتحققوا من صحة الاتهام الذي وجهوه للسيدة وإنما بعض الظن إثم...!
كم من البشر اتهموا ظلماً وشوهت سمعتهم واغتالتهم أيادٍ قذرة تماشت مع مع مفردة قالوا له... كم من الأشخاص تبددت سمعتهم والسبب قالوا له... دون خوف من الله أو رعب مما قد يصيب من تتهمهم .. أو تفتري عليهم.... المشكلة أنّ أغلب الحكايات تبدأ بكلمة ثم تصبح سطراً ثم تتحول حكاية فارهة من الكذب والافتراء... والظلم والقهر...!
هل شاهدت فلاناً يقوم بفعل كذا أو هل رأيته وتحققت ممافعله؟ عندما تضغط على الناقل وتخيفه بأن هناك يوم حساب يقول لك... أنا ماشفت بس سمعت من أحد موثوق.. والموثوق أخبره آخر موثوق... وبين هذا وذاك تصنع حقائق جديدة لاعلاقة لها بالحقيقة الفعلية... افتحوا دفاتركم وراجعوا كم مرة في هذا العمر الممتد أسرفتوا في قالوا لي... ولم تتحققوا؟ كم مرة ظلمتوا؟ وكم مرة أسأتوا؟
عن نفسي كثيرة هي المرات التي تعرضت فيها للظلم المبين... من الناس ولكن ظلت الكارثة الأكبر والسهم الذي ينحرك من الوريد إلى الوريد هو ظلم الأقربين من الأصدقاء أو من توقعتهم أصدقاء عندما يصعدون إلى قطار قالوا لنا وهو قطار لا يتوقف عن السير ولا محطات له.. بل يظل يأخذ ركابا جددا ببلاش وما أكثر ركاب قطار قالوا له.... بعد سنوات تلتقيهم أو تفرض عليك الظروف أن تكون معهم... ويعتذرون أحياناً وقد لا يتذكرون ولكن بعد أن يتم اغتيالك تماماً...!!!
نقلاً عن "الرياض"