الرِعاش الاجتماعي!

ملحة عبدالله
ملحة عبدالله
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

لم يكن متوقعا مهما كانت التكهنات أن يكون جيل قريب الصلة بذي قبله ، وربما رديف له أن تصل المفاهيم بنا إلى ذلك النوع من الغياب، بالرغم من ذلك الحضور المحموم بين أطياف المجتمع! ما بين الحضور والغياب تكمن حمى شديدة (الرِعاش) تعتري المجتمع الخليجي والسعودي على وجه الخصوص، جراء مفاهيم حاضرة غائبة ، مفاهيم مكتسبة ومتوارثة! إلا أنها تخطو بشكل متعرج لا يدع لذلك العناء في نفوس الجيل السابق سبيلاً من غضاضة وغصة في الحناجر وذلك لتقارب جيلين وتباعد المفاهيم!

جيل قفز فجأة جراء ذلك التطور الفجائي وغير المتدرج وجيل يحمل في حناياه موروثات كونت شخصيته، فلم يعد الأمر مجرد إرث، بقدر ماهو تكوين ونسيج في بناء الشخصية ومن هنا يصعب الفكاك منه فتحدث الصدمة لا محالة. جيل يعرف معنى ( المنقود) والمنقود هو الرديف لمعنى العيب أو "الشرهة" وجيل لا يرى غضاضة في التملص من هذا المنقود بصفته أمرا يسهل التحلحل منه. والحقيقة أنه ساعد على ذلك عنصر الهجرة من الريف إلى المدن، ونظرا لاتساع رقعة البلاد واختلاف الروافد فكانت عاملاً أيضا من عوامل ذلك التحلحل وبيسر شديد! ومن هنا أصبح موضوع المنقود أمراً بعيداً لبعد الفرد عن موطنه ومسقط رأسه وقريته وقبيلته التي يعتمل فيها المنقود بشكل راسخ.

وكان للمجتمع القبلي والبدوي سطوته في تحجيم هذا الأمر بحيث أنه يلزم الفرد الالتزام بالأعراف وخاصة ما يسمونه بـ ( المروءة) أو الشيمة، فناقص المروءة أو خارق الشيمة يعتبر خارجا عن القانون القبلي، وعليه فقد يصل الأمر إلى أشبه بالمقاطعة الاجتماعية المقَّنعة حيث لا تقبل له شهادة ولا نسب وقد لا بيع له ولا شراء، ومن هنا كان يصعب التحلحل من تلك الازمات الاجتماعية، والتي تعمل على الإخلاص للوطن وإلى ترابط الاسرة وبالتالي المجتمع. وكان من وسائل الضبط الاجتماعي ما يسمى (السوداء) وكلنا نعرف أن السوداء تنصب في الأسواق إذ إن لكل مجموعة قبائل سوق خاص بها في يوم محدد وكل القبائل آنذاك تعرف كل فرد وكل عائلة وكل نسب وكل عرق، فإذا نصبت السوداء لفرد لم يكن بعيدا عن أعين رجالات القبيلة، وكانت السوداء من أهم وسائل الضبط الاجتماعي ويقابلها ( البيضاء) بحيث يكافأ الملتزم ويعاقب المنفلت أو المنحرف عن سلوك الجماعة .

ومن خلال البحث عن أصل السوداء وجدنا أنها تنحدر من أصل أسطوري في الجزيرة العربية ؛ وهو أن حويلان بن كوش بن كنعان، كان بهي الوجه والخلقة؛ إلا أن أباه غضب منه فدعا عليه بأن يسود الله وجهه ووجه ذريته من بعده؛ فتقبل الله دعودته ، وأصبحت ذريته سود البشرة وهم الزنوج وأصحاب البشرة السمراء فهم من أبناء حويلان ابن كوش ابن كنعان كما ذكر البغدادي . ومن هنا كان أصل رفع الراية السوداء كراية خروج عن العرف والعادات؛ وظل الناس إذا غضبوا على أحد قالوا : "سود الله وجهه" . وهو اسلوب للوم الذي يمقته العربي بطبيعته مقتا شديداً؛ فلم يكن هذا بسبب تمييز عنصري للون كما قد يفسره البعض، وإنما هو رمز عن الخروج عن العرف والمألوف نتيجة لجذر هذا المفهوم الأسطوري!

هذا هو تاريخ إحدى وسائل الضبط الاجتماعي ومحاولة لاحياء ارتباط شارة السوداء في الاسواق بذلك الخروج عن القانون القبلي كعقوق الوالدين، والرشوة، والفساد على سبيل المثال ، فكانت طاعة الوالدين أمرا مقدسا محفوفا بالأعراف إلى جانب الدين وللعرف القبلي سطوته الشديد على نفوس الأفراد وكذلك النزاهة وطارة اليد في العمل وشرف الذمة. وبغياب وتحلحل هذه المفاهيم تحلحلت الروابط الاجتماعية وأهمها الأسرية بشكل خاص وهذه من أكبر الأخطار التي تهدد المجتمع ذي النكهة التقاليدية والتي مازالت تحيا بيننا في قرارة النفوس وخاصة في أن الأجيال لا تزال تحيا بيننا وتعاني من غياب هذه المفاهيم في نفوس الشباب وأغلب الجيل الجديد. فنجد كيف أن الرشوة والخيانة لم يكونا من شيم القبائل ثم أن قطيعة الأرحام وإيداع الوالدين أو أحدهما في دور الرعاية حين بلغوا من الكبر عتيا، وتسلط زوجة الابن على الوالدة والوالد، وهجر الأخوان والأخوات وكثرة الشقاق بينهم، وتجافي القلوب بين الأقارب، وجنوح الشباب عن مجالس الكبار والمشاركة في استقبال ضيوف الأسرة والعناية بأصدقاء الوالدين ومشاركة الجميع احتفالاتهم وأفراحهم، وأصبح الابن يحيا بمفرده بمجرد أن تزوج ، فاتخذ منزلا لا يأبه بمشاكل أسرته وشؤونها وهمومها، وكأن زيجته هذه قد اخذته بعيداً يخاف على مقتنيات منزله من الاتساخ والتلف وعليه فلا يستقبل أحدا في منزله إلا نادرا، وإن توفي والده نرى ذلك النزاع والشقاق على ما تركه لهم أبوهم، وكأنها غنيمة يجب أن يستأسد بها طرف على طرف! نفوس مشتتة وقلوب متباعدة وحمى الانفراد تجتاح مجتمعاً كان بالأمس القريب خلية نحل باتت في عصرنا هذا منازل محوطة بأسوار مرتفعة حول كل بيت حتى تغطيه تماما، في دائرية فردية شديدة التباعد والانفراد ولذلك انعكاس شديد على الرغبة في العزلة والانطواء حتى لا يعرف الجار جاره ولا الساكن يعرف قاطن الحي، وعليه فالمنقود أصبح في متناول الأيدي، لا يهم من التفريط في المروءة والشيمة فلم يعد أحد يعرف أحدا كذلك انتشار الفساد والرشوة فبات التحلحل سهلا والتفكك أسهل.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.