كيف سقطت النسخة الثالثة من "الصحوة".. ومن هم رموزها؟

نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
10 دقائق للقراءة

إبان الغزو العراقي للكويت، خرج تيار الصحوة في السعودية مراهناً على عقود من التعبئة الفكرية والإيديولوجية، إلا أن هذه التعبئة فقدت زخمها تماماً كما خسرت تيارات الإسلام السياسي بقيادة جماعة الإخوان المسلمين والسروريين رهانها مرة أخرى مع إحباط ما كان مخططاً له في منطقة الخليج فيما يسمى بـ "الربيع العربي"، الذي أخذت تتكشف أدواته وداعموه مع إعلان الدول الداعية إلى مكافحة الإرهاب مقاطعتها لدولة قطر.

ما زلت أذكر اللقاء الذي أجريته مع يوسف #القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، في المدينة المنورة في ديسمبر 2010، لدى سؤاله عن إحدى الشخصيات الدعوية البارزة الشهيرة فيما يسمى بالتيار الصحوي عن رأيه به فأجاب ضاحكا: "... هو يمثلني في السعودية"، وكان حينها أن طلب عدم نشر هذه الجملة ضمن الحوار، حيث أن القانون في السعودية يحظر الأحزاب والجماعات.

 يوسف القرضاوي
يوسف القرضاوي

وفي فترة متزامنة، وخلال إجرائي لقاءً صحفياً مع إحدى الشخصيات الإخوانية الكويتية الذي اشتهر بمحاضراته عن التاريخ وتنمية الذات، سألته مباشرة "هل أنت عضو في تنظيم الإخوان المسلمين؟". أجاب سريعا وبزهو بالغ: "أنا لست عضوا فقط وإنما قيادي كبير في جماعة الإخوان المسلمين".

بعد أن رجعت إلى المكتب للبدء في تفريغ تسجيل اللقاء، تفاجأت باتصال الشخص ذاته قائلا: "أنا أعلم أن اللقاء مسجل وحديثنا كله لديك ولكن لدي طلب وإن شأت قبلت أو رفضت، أرجو عدم وضع إجابتي على السؤال الأخير ولك الحرية، فأنت تعلمين الموقف السعودي من الجماعة".

كانت إجابتي له حينها بالنزول عند رغبته في عدم النشر، كما فعلت مع الضيف الأول، وذلك للتأكيد على مسألة هامة وهي أن الهدف من إجراء اللقاءات إبراز الآراء والأفكار ونفي تهم التصيد والهجوم عن الجهة التي كنت أمثلها آنذاك، والتي كانت وما زالت تشهد هجوما كبيرا من التيارات الإسلاموية (الصحوية) والراديكالية واتهامها بالتزييف وتزوير الحقائق.

تأتي مناسبة الإشارة هنا، بعد ارتفاع الأصوات عن وجود ما يسمى بالتنظيمات السرية في السعودية كما ظهرت في الإمارات والبحرين، والتي بدأت فصولها تتكشف شيئا فشيئا مع مفرزات فوضى عمت في عدد من الدول العربية وأريد لها أن تكون في الخليج.

محمد سرور بن زين العابدين السرور مؤسس التيار السروري بجماعة الإخوان المسلمين
محمد سرور بن زين العابدين السرور مؤسس التيار السروري بجماعة الإخوان المسلمين

بعد إحباط المشروع الإخواني بالهيمنة في مصر والوصول إلى الحكم، تجلت حقائق ما كان لها أن تظهر لولا صعود الجماعة الأم في مصر، من بينها اجتماعات ولقاءات، ومحاضرات، جمعت شخوص ورجالات المرحلة وأدوات لها وظفتها بلوغا إلى مساعيها، ظنا بزمن التمكين الذي لا رجعة عنه.

قبل الربيع العربي مرت جماعة الإخوان المسلمين مع السعودية في أكثر من محطة، جاء أول شرخ على الصعيد الرسمي السعودي إبان الموقف المعلن من قبل جماعة الإخوان المسلمين في أزمة الخليج واحتلال الرئيس العراقي #صدام_حسين لدولة الكويت، إلا أن البعض كان يرى أن الارتياب السعودي كان يجب أن يكون أقدم من ذلك، عندما بارك الإخوان النظام الخميني وتوليه السلطة في إيران 1979.

شعار الإخوان المسلمين
شعار الإخوان المسلمين

تلى ذلك، موقف الإخوان الداعم لزعيم تنظيم القاعدة والتأييد لأحداث 11 سبتمبر، وجاء تصريح الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية آنذاك في عام 2002، المهاجم للإخوان الشهير في جريدة السياسة الكويتية، وأنحى باللائمة بشكل أساسي إلى جماعة الإخوان المسلمين، محملا إياها المسؤولية في معظم ما يعاني منه العالم الإسلامي من تطرف وإرهاب.

في مارس 2014 اتخذ الملك عبد الله قراره بحظر جماعة الإخوان وتصنيفها جماعة إرهابية ضمن عدد آخر من التنظيمات المتطرفة، مساندا الشعب المصري ضد حكم الإخوان، عقب سقوط حكمهم بعزل محمد مرسي عن الحكم في ثورة 3 يوليو 2013 .

يشار إلى ما مثلته مصر بعد "ثورة 25 يناير" كمحطة انطلاق لما يسمى بالـ "الصحوة الإسلامية الثالثة"، كما كان مخططا لها من قبل "اسلامويو" المشرق والمغرب أن تكون، ومن هنا يمكن فهم استماتة تيارات الإسلام السياسي في الإبقاء على تأزم وإشعال الساحة المصرية حتى اليوم، ولسان حالهم "لا يمكن أن يقتل المشروع مرة أخرى ثالثة".

يشار إلى أن الصحوة الإسلامية الأولى، وفقا لمنظور التنظيم الأم للإخوان المسلمين بمصر، فبدأت بعد سقوط الخلافة العثمانية (عام 1924)، أما الصحوة "الثانية" فكانت بعد وفاة عبد الناصر ومجيء السادات، وإن كانت مقدماتها قد بدأت في 1965.

التنظيمات السرية في السعودية

وعودة إلى قرار الملك عبد الله بن عبد العزيز، فقد ورد تنظيم الإخوان ضمن عدد آخر من التنظيمات التي ثبت تورطها بأعمال عنف داخل السعودية وهي: "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب ــ تنظيم القاعدة في اليمن ــ تنظيم #القاعدة في العراق ــ داعش ــ جبهة النصرة ــ حزب الله الحجاز ــ جماعة الإخوان المسلمين ـ جماعة الحوثي".

أسامة بن لادن
أسامة بن لادن

وتضمن القرار مساءلة كل من يقوم بتأييد هذه التنظيمات، أو الجماعات، أو التيارات، أو التجمعات، أو الأحزاب، أو إظهار الانتماء لها، أو التعاطف معها، والترويج لها، أو عقد اجتماعات تحت مظلتها، سواء داخل المملكة أو خارجها، ويشمل ذلك المشاركة في جميع وسائل الإعلام، أو استخدام شعارات هذه الجماعات والتيارات، أو أي رموز تدل على تأييدها أو التعاطف معها. وتجريم التبرع أو الدعم، وحظر الاتصال أو التواصل. وإظهار الولاء لدولة أجنبية، أو الارتباط بها، أو التواصل معها بقصد الإساءة لوحدة واستقرار أمن المملكة. الى جانب حضور مؤتمرات، أو ندوات، أو تجمعات في الداخل أو الخارج تستهدف إثارة الفتنة في المجتمع.

حينها، وبعد ساعات من صدور القرار الملكي الخاص بملاحقة المنظمات والأحزاب الإرهابية، اختفت "أصابع رابعة" من حسابات بعض المغردين السعوديين، وكذلك دعاة الصحوة، المطالبين لأنصار الإخوان في اعتصامي رابعة والنهضة في مصر بالصمود. ورغم اختفاء شعار رابعة برزت أشكالا مختلفة من المقاومة والتحايل على القرار من خلال التأييد المبطن للجماعة من قبل معرفات شهيرة لسعوديين وسعوديات محسوبين على #التيار_الصحوي.

حظر جماعة الإخوان بالسعودية جاء بعد صعود شخصيات دعوية وإسلامية في المشهد المصري ابان حكم #مرسي ممثل #جماعة_الإخوان بمصر، من لقاءات واجتماعات، واستضافة شخصيات قيادية من تنظيم الإخوان والتي لم تقتصر على انعقادها في مصر وإنما كذلك في السعودية، الى جانب مشاركة بعضهم في اعتصام رابعة، حتى بلغ الأمر مشاركة بعض دعاة الصحوة في إلقاء الخطب بجامع الأزهر مستبشرين بقرب عودة "الخلافة الإسلامية".

هذا الموقف الشاجب لسقوط مرسي وثقه موقع الجزيرة الإلكتروني بتقرير جاء عنوانه: "مثقفون سعوديون يستنكرون عزل مرسي". وبحسب ما جاء في التقرير: "أعرب مثقفون سعوديون عن استنكارهم لعزل الرئيس المصري مرسي، وعن مؤازرتهم للمعتصمين الذين ينادون باسترداد الشرعية المسلوبة وسلمية حراكهم".

محمد مرسي ومحمد بديع
محمد مرسي ومحمد بديع

وأشار التقرير الى البيان الصادر عن "مثقفين سعوديين" يؤكدون على تضامنهم الكامل مع الشعب المصري في دعوة الانقلابيين المغتصبين لسلطة الشعب والخارجين على الشرعية إلى إعادة الحق إلى نصابه".

ويأتي الموقف السعودي الأخير في عهد الملك سلمان بن عبد العزيز متوجا لهذا المسار الأكثر صرامة، حيث عبرت السعودية عن موقفها من قطر ومن خلفها جماعة الإخوان كموقف سيادي لا يمكن التنازل عنه، وجزء من معاقبة قطر ملاحقة الدعم القطري لجماعات وكيانات ومحاسبة على الدعم والصلات فتحولت إلى جنحة، فاختفت الأصوات جميعها دفعة واحدة سواء أكانت (محبة أم مؤيدة أم منتسبة أم داعمة)، مما يؤشر الى التعامل مع هذا الأمر باعتباره نوعا من أنواع التنظيم السري المحظور.

قرار الملك عبد الله بن عبد العزيز آنذاك والذي صدر قبل نحو 4 أعوام، كان واضحا في رسم خارطة التنظيمات السرية المعادية والموجودة على الأراضي السعودية كان أيضا كاشفا وبجلاء عن أدوات وأساليب هذه التنظيمات والتي تأتي ضمن العمل الاجتماعي الاستراتيجي المخطط له.

من جهة صنعه ومن جهة قادته الذين أرادوا خلق جماعات سرية بنسخة سنية: "إخوان بنائيين، وسروريين، وقطبيين كداعش والقاعدة وجبهة النصرة"، وجماعات بنسخة شيعية خمينية " #حزب_الله_الحجاز وجماعة #الحوثي في اليمن"، وهنا تمثل هذه الاتجاهات التنظيمية المورد الشرعي التعبوي لما يسمى بالحراك المجتمعي.

الحرس الثوري

ظهر هذا التماهي جلياً في البيانات المتكررة الصادرة عن تنظيم القاعدة وجبهة النصرة ومن قياداتها كأسامة بن لادن والظواهري والجولاني في مباركة ما أسموها بثورات الشعوب، إبان فوضى الربيع العربي من 2010-2014 بما رفعته من شعارات، كالديمقراطية والحرية والمساواة والإصلاح والتغيير، رغم وقوفها على النقيض من إيديولوجيات الجماعات الأصولية المتطرفة، إضافة إلى التقاء أغراض الحرس الثوري الخميني مع البنائيين والقطبيين، باعتراف رموزها وفق مبادئ التضامن العالمي لما يسمى بالثورة الإسلامية.

واقترانا مع الخط التعبوي "الشرعي الديني" كان ولابد من جانب آخر يسير بالتوازي ألا وهو البعد الحركي والذي قادته نخب مثقفة ومنظرة يسارية وليبرالية وإسلاموية، أثارت عواطف العوام في قضايا ذات سياقات مختلفة سياسية واجتماعية واقتصادية ودينية.

بنود سياسة التعبئة لأي حراك اجتماعي جاء تفصيلها في الكتاب الإيطالي: "مقدمة في الحركات الاجتماعية" لكل من دوناتيلا ديلا بورتا وماريو دياني، الصادر عام 2006، فحتى تصل الحركة إلى غايتها يتطلب أن تضم إليها نخبا تملك المعرفة الإنسانية والتقنية لتنظيم التعبئة وإدارتها، والتفاوض مع الشركاء المحتملين وشرح مطالب الحركة لوسائل الإعلام وتجنيد الأفراد، إلى جانب نخب قادرة على مخاطبة العوام وبربطه بشخصيات رمزية.

وأركان هذا النشاط التعبوي وفقا للمؤلفين الإيطاليين المتخصصين في العلوم السياسية، يكمن في نخب الصف الأول وهي "الموارد الحركية" إلى جانب "الموارد الشرعية" أي بمعنى آخر (مثقفين ومقاتلين)، يجتمعون سويا رغم أن كلا الطرفين في مجالين مختلفين في الفضاء الاجتماعي.

اجتماع التناقضات بين التيارات المحسوبة على الساحة الحزبية والثقافية وفقا للكتاب المذكور، قابل للنجاح في حالة واحدة وهي "إن كانت التعبئة الاجتماعية في المجالات المختلفة في وقت واحد حتى يفقد النظام السياسي اتزانه وتندلع أزمة سياسية، حيث إن التعبئة في قطاعات مختلفة تضعف قدرة الرد النظامية".

 الربيع العربي
الربيع العربي

يأتي ذلك وفق "نظرية الحركات الاجتماعية" التي عملت على توظيفها تيارات الإسلام السياسي الراديكالية سنية وشيعية إلى جانب أحزاب وأهواء يسارية اشتراكية وقومجية، وصولا إلى تحقيق أهدافها التي تجسدت فيما يسمى بـ"الربيع العربي" الذي كان مخططا له أن يمتد إلى السعودية والإمارات والبحرين والكويت وفق عملية تعبوية استطاعت أن تدوم لسنوات معتمدة على سياق واحد ضمن ما يسمى بالتواطؤ الموضوعي، في سبيل الوصول إلى مراكز الهيمنة.

.. وغدا ننشر تفاصيل الجزء الثاني حول هذا الموضوع بعنوان "كيف تشكل حلف "الفضول" الصحوي؟".

انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.