.
.
.
.

سلمان في قلوب القطريين

أحمد الجميعة

نشر في: آخر تحديث:

الملك سلمان في أكثر من مناسبة يتحدث فيها عن مكة المكرمة والمدينة المنورة أو عن لقب خادم الحرمين الشريفين؛ يذكر معها مسؤولية المملكة ملكاً وحكومة وشعباً تجاه المدينتين المقدستين، وخدمة قاصديهما من كل مكان، وأن هذه المسؤولية التزام ديني وأخلاقي وأمني وإنساني قبل أن تكون شرف الدهر، حيث أثبتت المواقف أن المملكة منذ الملك المؤسس إلى اليوم وهي تتحمّل تلك المسؤولية، وترعى شؤونها، بلا تسييس أو منّة، وإنما طمع فيما عند الله الذي شرّف هذه البلاد بمسؤولية رعاية بيته العتيق، ومسجد رسوله الكريم.

المملكة لم تستغل الحج يوماً لأغراض سياسية، أو دعائية، أو بحثاً عن مكاسب مادية، بل كانت ولا تزال ترى في الحج مناسبة لتوحيد المسلمين، وجمع كلمتهم، وتهيئة كافة الإمكانات لأداء مناسكهم بيسر وسهولة وأمن واطمئنان، ولا تريد من ذلك جزاء ولا شكوراً إلاّ من عند الله الذي أنعم عليها بالأمن والاستقرار والوحدة بين أبناء شعبها، وهو الرصيد الذي يبقى لنا جيلاً بعد آخر ونحن نرى في مكة والمدينة مسؤولية شرّفنا الله بها.

قرار الملك سلمان باستضافة الحجاج القطريين على نفقته الخاصة، وضيوفاً أعزاء عليه وعلى شعبه؛ يثبت مجدداً أن المملكة لا تسيّس الحج، ولا تستغله دعاية سياسية لها، ولديها من الحكمة والحنكة ما يمكّنها الفصل بين الحج كشعيرة وفريضة على كل مسلم، وبين السياسة كمواقف ومصالح، وبالتالي لا مجال للتشكيك، أو فهم القرار على أنه تراجع في الموقف السعودي من الأزمة القطرية، أو انفراج لها؛ فالحج شيء، والأزمة بكل ما فيها من تداعيات شيء آخر.

إيران مثلاً؛ العلاقات الدبلوماسية معها مقطوعة، ومع ذلك أبواب مكة والمدينة مفتوحة لها، ولا يعد ذلك تراجعاً في الموقف منها، أو تسوية سياسية معها، بل هي مسؤولية المملكة أن تتخلى عن السياسة في سبيل تسهيل وصول الحجاج الإيرانيين لأداء نسكهم، وتتشرّف بخدمتهم، والسهر على راحتهم، فلا مجال للتسييس لمن قصد بيت الله ومسجد رسوله.

الشعب القطري كان واعياً لمدلولات القرار، ومتفاعلاً معه، ومباركاً له، ومدركاً أيضاً أن الملك سلمان سيبقى في قلوبهم، وسيقف بجانبهم، وتمكينهم من أداء فريضة الحج، وهو ما تحقق، ولكن عليهم مسؤولية أيضاً أن يدركوا أن المملكة ليست على خلاف معهم مطلقاً، ولا تريد أن تصل الأزمة مع حكومتهم إلى هذا المستوى من القطيعة، رغم النداءات المتكررة على مدى عشرين عاماً للإصلاح والمصالحة، ولكن الواقع كان أكبر من السكوت عليه، أو تحمله، أو انتظار ما هو أسوأ منه.

*نقلاً عن صحيفة "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.