.
.
.
.

صناعة الرأي في زمن «تويتر»

عبد الله القفاري

نشر في: آخر تحديث:

إعلام لا يحتاج لخبرات ولا قراءات معمقة ولا تجربة كبيرة.. انها مساحة الحضور لمن لا مساحة له.. تنطوي على عدة جمل أو بضع كلمات.. او صورة او فوتوشوب.. لتصل رسالة من نوع آخر.. إنه إعلام شعبي لا حدود لنزعاته وطرائفه وسقطاته أيضاً..

لم يعد الرأي اليوم والتوجيه والتأثير حكرا على وسائل اعلام رسمية أو شبه رسمية يمكن ضبطها ومراقبتها وتوجيهها. هناك سيل فضائي والكتروني من الصعب السيطرة عليه مهما كانت المحاولات.

قنوات التواصل الاجتماعي أحدثت خلال أقل من عقد ثورة في عالم الاتصال. والنجوم لم تعد تصنع فقط في مدارج المؤسسات الاعلامية والصحف والقنوات.. بل ان بعضها سطع نجمه في تلك المواقع، وربما وصل وبمسار عكسي إلى واجهة مؤسسة أو صحيفة أو قناة تلفزيونية فضائية. وليس من الغريب ان يكون جزء لا يستهان به من مادة قنوات الاعلام هي انعكاس الصدى الذي تحركه قنوات تواصل اجتماعي بين فئات وجماعات وافراد تحمل قضاياها إلى الفيسبوك وتوتير وسواها.

منذ نهاية العقد الاخير من القرن الماضي.. وبعد عقد ونصف من القرن الحالي، تبدت وتصاعدت الثورة الكبرى في عالم الاتصال. هذه الثورة لا تناظرها أي ثورة معرفية في أي مجال او أي عصر. اجتاحت العالم أجهزة الهواتف الذكية، لتأخذك حيث تريد، حيث لا قيود ولا حدود، ولتضع العالم بين يديك في لحظات وتوفر لك الخدمات والمعلومات والصور وتجعلك ايضا شريكا في التفاعل مع قضايا الساعة.

برامج ومواقع وقنوات التواصل الاجتماعي ليست فقط دردشة ورأي، إنها عالم من الخدمات ومصادر المعرفة والبحث والتسويق والخدمات.. لقد طالت كل شيء تقريبا في حياة الانسان.. على المستوي الاقتصادي او الاجتماعي او الثقافي او السياسي... إنها عنوان هذا العصر بلا منازع.

لا يمكن لمن يريد ان يقرأ في التطورات الثقافية لأي مجتمع سوى أن يبحث في هذه الوسائل والبرامج، وذاك العالم الذي لم يعد يخلو منه جيب انسان.. وليست بالطبع آثار هذا العالم كلها ايجابية.. وليست مسؤولية منتجات العلم والمعرفة أن يساء استخدامها.. فكما هي وسائل للمعرفة والترقي والحوار والتعبير عن الذات وترقيتها.. هي ايضا وسائل يمكن توظيفها في التضليل والارتكابات الخطيرة والقاتلة.

وكما سهلت مهمة البشرية وخدمت احتياجاتها وطورت وسهلت ملامح حياتها.. كذلك كانت مجالا لاصطياد المغفلين وايهام ذوي الحصيلة الرديئة من ثقافة الحياة.

وإذ تتطور التقنيات الاتصالية على نحو سريع، فكذلك تتطور تقنيات المراقبة والحظر، وتبقى في كلا الحالين سوقا ضخمة، تدر مبالغ خيالية، وتحرك شركات كبرى، وتدير صناعة لا تدري إلى أين يمكن أن تقف منتجاتها.. ومن اللافت أن صناع التوسع في صياغة حياة جديدة عبر تلك الادوات التي تتطور يوما بعد آخر.. هم ذاتهم صناع الحواجز والمراقبة والحظر والكشف..

وتبقى هناك ظواهر لافتة جديرة بالتوقف.. وهي ثمرة التوسع الشعبي الكبير في استخدام وسائل وقنوات التواصل الاجتماعي.. منها ما يمارس قصدا أو دون قصد واستهداف.. حيث تتداخل عناصر كثيرة في التأثير على الرأي العام، الذي لم يعد حكرا على خطيب أو صحيفة أو قناة اذاعية أو تلفزيونية.. بل أن حضور قنوات التواصل الاجتماعي أصبح اليوم أكثر تأثيرا وأهمية.

ومنها ظواهر تستدعي تحليلا اجتماعيا.. فعلى سبيل المثال: كيف أصبح جمهور تلك الوسائل صُناعا للنكتة والطرفة والتعليق الساخر.. وبشكل غير معهود في بيئة الصحراء المشهود لها بالتحفظ والجفاف..؟! هل يمكن إعادة ذلك إلى التطورات الاجتماعية والثقافية خلال العقود الاخيرة، حيث تفجرت طاقات جمهور كان يصعب قياس تحولاته الصامتة، حتى تكشفت عبر مواقع وبرامج التواصل الاجتماعي التي تسيدت المشهد بلا منازع..

وهو إعلام لا يحتاج لخبرات ولا قراءات معمقة ولا تجربة كبيرة.. إنها مساحة الحضور لمن لا مساحة له.. تنطوي على عدة جمل أو بضع كلمات.. او صورة او فوتوشوب.. لتصل رسالة من نوع آخر.. انه اعلام شعبي لا حدود لنزعاته وطرائفه وسقطاته أيضا.

التطورات التقنية المتسارعة، والتواصل فائق السرعة بين الشعوب واهتماماتها وقضاياها، وبروز ظاهرة المحرر القابع في زاوية في غرفته يطالع هذا السوق الضخم ويخوض في الازدحام الشديد.. ليلقي ببضاعته فيه.. والتحولات في ثقافة مجتمع، والتي جرت جمهورا عريضا من الشباب من حيز التفاعل المكاني الثابت الحدود والابعاد إلى حيز لا زماني ولا مكاني.. مفتوح على الآفاق.. كل هذا دعم اكتشاف جيل جديد.. احدى ادواته السخرية والطرفة والتعليق الجيد والرديء، والمتزن والمتجاوز أيضا.

تشير المعلومات الاحصائية الى اننا اكثر الشعوب تطورا في استخدام أدوات وقنوات التواصل الاجتماعي كتويتر.. وها نحن امام جيل آخر بالكاد بدأ يتهجأ الحروف الأولى وهو يصر على ان تصبح هذه الوسائل والأدوات جزءاً من عالمه..

هناك تحولات وتطورات علينا مراقبتها ودراسة أبعادها وتأثيراتها لأنها ستكون العامل الأكبر خلال السنوات القادمة في صياغة عقول الأحياء ونمط الحياة.

نقلاً عن الرياض

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.