.
.
.
.

ندوة بدون توصيات

يوسف القبلان

نشر في: آخر تحديث:

في مسيرة التنمية الإدارية في المملكة تجارب ومواقف وذكريات تعبر عن مراحل مرت بها هذه المسيرة. وهي تجارب أو مواقف قد نتفق أو نختلف معها لكنها تظل جزءًا مهماً يستحق التوثيق في أدبياتنا وممارساتنا الإدارية، والطرح على طلاب الجامعات والمتدربين كحالات دراسية لغرض الفائدة والتدرب على الحوار.

مقاومة التغيير سلوك طبيعي. أحد أسبابه عدم وضوح التغيير، وأحيانا عدم المشاركة فيه، وقد تأتي مقاومة التغيير حين يقيد الإنسان نفسه بعادات تتحول عنده إلى مراتب الدين أو القانون وهي ليست كذلك، وهذا ما حصل في أمور كثيرة تمت مقاومتها لفترة من الزمن ثم تحققت وأمثلتها معروفة للجميع

قبل أكثر من عشرين عاماً نظم معهد الإدارة العامة ندوة بعنوان (تنسيق الخدمات التعليمية) كان لي شرف المشاركة فيها بورقة كان من ضمن توصياتها أن تكون الرئاسة العامة لتعليم البنات مع (وزارة المعارف) تحت مظلة إدارية واحدة هي التربية والتعليم. الفكرة إدارية بحته تحقق الترشيد وتوحيد الأنظمة والمعايير والإجراءات خاصة أن التعليم في المملكة بكل مراحله وتنوعه ينطلق من سياسة موحدة للتعليم.

في الجلسة الأخيرة من جلسات الندوة وهي جلسة التوصيات حضر مجموعة من المجتهدين واعترضوا على توصية الدمج الإداري معتقدين خطأ أنها تعني الاختلاط. كانت جلسة صاخبة افتقدت إلى الحوار الموضوعي واتجهت إلى توجيه الاتهامات. وخلال النقاش، رأى البعض الموافقة على التوصيات باستثناء توصية الدمج كحل وسط لم يكتب له النجاح.

ثم كانت النتيجة النهائية أن تنتهي الندوة بدون توصيات رغم التأكيد على أنها توصيات وليست قرارات وأن الندوات مجال للتفكير والنقاش العلمي والحوار الموضوعي، لكن إخراجها عن إطارها الإداري من قبل بعض المشاركين جعلها تخرج بدون توصيات.

كانت تلك الندوة هي الندوة الوحيدة في تاريخ المعهد التي تنتهي بدون توصيات. بعد 15 سنة من تاريخ عقد تلك الندوة صدرت الموافقة عام 2002 على دمج تعليم البنين والبنات تحت مظلة وزارة التربية والتعليم.

قد يتبادر إلى ذهن القارئ سؤال يقول: ما هو الهدف من استرجاع تلك القصة؟ وأقول إنها أهداف وليس هدف واحد ومنها ما يلي:

أنها حالة إدارية وجزء من تاريخنا الإداري تستحق الدراسة. كما تستحق التقييم لمعرفة ما تحقق وما لم يتحقق.

التذكير بأن مقاومة التغيير سلوك طبيعي. أحد أسبابه عدم وضوح التغيير، وأحيانا عدم المشاركة فيه، وقد تأتي مقاومة التغيير حين يقيد الإنسان نفسه بعادات تتحول عنده إلى مراتب الدين أو القانون وهي ليست كذلك، وهذا ما حصل في أمور كثيرة تمت مقاومتها لفترة من الزمن ثم تحققت وأمثلتها معروفة للجميع.

الحذر من تصديق الشائعات، واطلاق الاتهامات لمجرد الاختلاف في الرأي.

الترشيد مبدأ إداري وهو ما يتم تداوله حالياً كجزء من الرؤية الشاملة للتطوير والارتقاء بمستوى الأداء في كل المجالات. وقد طرحنا سابقاً على سبيل المثال توحيد الأجهزة الرقابية في المملكة إذا كانت تقوم بنفس المهام.

التذكير بأهمية الحوار الموضوعي عند مناقشة القضايا العامة، وأهمية أن ينصب الاهتمام على الفكرة وليس على صاحبها أو مصدرها.

عدم الاستعجال في إصدار الآراء حول فكرة معينة قبل دراستها من كل جوانبها والحيثيات التي قادت إليها.

أن المجتمع برجاله ونسائه يؤمن بدين واحد ويخضع لأنظمة وسياسات واحدة. وتعدد الآراء في القضايا العامة ظاهرة صحية. والدمج الذي طرحته تلك الندوة هو جزء من تطوير التنظيم الإداري في المملكة لمصلحة التنمية الإدارية التي تمثل جوهر عمل المعهد وشعاره وأهدافه. وما تلك الندوة إلا إحدى مسؤوليات المعهد، وكانت توصياتها إدارية بحته لتطوير الهياكل التنظيمية بما يحقق التنسيق والتكامل ويساهم بتحقيق أهداف سياسة التعليم.
نقلاً عن الرياض

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.