.
.
.
.

القانوني والعاطفي

محمد اليامي

نشر في: آخر تحديث:

في إطار جمعه المعلومات عن السوق السعودية، التي حصل على رخصة للعمل فيها بصفته مستثمراً أجنبياً بنسبة 100 في المئة، توقف صاحب ورئيس الشركة الفلانية عند خبر في التقرير اليومي الذي يصله من إدارة الاتصال المؤسسي، يقول إن وزارة العمل في السعودية أوقفت خدمات شركة فصلت موظفين سعوديين.

اتصل بمديري الموارد البشرية والقانونية لديه لعقد اجتماع هاتفي، وسألهما: هل درستما نظام العمل في السعودية جيداً؟ نعم، أجابا. هل يمكنني فصل الموظف الذي لا يحقق أهدافي أو المطلوب منه؟ أجاب مدير القانونية: نعم هناك مادة في النظام تتيح ذلك بعد دفع التعويضات اللازمة. إذاً لماذا أقرأ في التقرير خبراً عن إيقاف خدمات شركة والتحقيق معها لأنها فصلت موظفين سعوديين؟ أجابا: لا نعرف سيدي، سنبحث الأمر ثم نعود إليك لاحقاً.

في اليوم التالي رفع المديران تقريراً لرئيسهما التنفيذي جاء فيه: «في الواقع نحن لم نجد مسوغاً قانونياً لقيام وزارة العمل السعودية بإيقاف شركة والتحقيق معها لأنها فصلت موظفين سعوديين، فالشركة ارتكزت على مادة موجودة في النظام، وهي ذات صيغة غير دقيقة جداً، لكنها تتيح للشركات فصل الموظفين، ويبدو لنا أن تصرف وزارة العمل يأتي من منطلق (الحماية الاجتماعية)، أو ربما استجابة عاطفية للضغط الشعبي في الإعلام». اجتمع الرئيس بهما مرة أخرى هاتفياً وسأل: هل يمكن أن أتعرض للموقف نفسه لو فصلت موظفة أو موظفاً سعودياً عندما نبدأ أعمالنا هناك؟ أجابا: لا نعرف على وجه التحديد، لكن مدير الاتصال المؤسسي تابع الموضوع بغرض مساعدتنا على الفهم، وقال إن هناك اتجاهاً لتعديل هذه المادة تحديداً في نظام العمل السعودي لتكون أكثر وضوحاً. حسناً، قال الرئيس، دعونا ننتظر ما تسفر عنه التعديلات الجديدة. بعد الاجتماع اتصل بمدير الفروع الدولية، وقال له بالتعبير الدارج لديهم:hold your horses» «regarding Saudi Arabia، وهي تعني بشكل أو بآخر «لنتمهل قليلاً في ما يتعلق بالسوق السعودية».

هذه القصة المتخيلة قد تحدث، وقصة العمل والسعودة في السعودية تواصل التجريب على غرار المسرح التجريبي، وقلت غير مرة إن وزارة العمل تحاول جاهدة، تنجح أحياناً، وتفشل أخرى، لكنها مع طرفي العلاقة الثلاثية التي تجمعها بأصحاب العمل والعاملين لديهم لا تزال تحتفظ بمنطقة ضبابية، منطقة الحيرة بين القانوني والعاطفي، أو ما أسميها منطقة محايدة بين اقتصاد حر وتوظيف حر وفصل حر، وبين واقع حمائي فرضته ظروف سياسية واجتماعية خلال عقود، ولا نزال في حاجة إليها، هذا هو الواقع الذي تقع مسؤولية تغييره على أكثر من جهة. أحد الحلول التي أراها، أن تبدأ القوانين وتنظيم العلاقة من دراسة قصص النجاح وليس الفشل، لنرى كيف نجحت البنوك في سعودة 90 في المئة من وظائفها، كيف حققت مكتبة «جرير» مئات الفرص الكلية والجزئية للشباب بسلاسة وإنتاجية مبشرة، وكيف وظّفت العملاقة الهندية «تاتا»، وهي مستثمر أجنبي، ثلاثة آلاف امرأة في مراكز الاتصال، 70 في المئة منهن سعوديات (2100 شابة سعودية) خلال أقلّ من عامين؟

*نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.