.
.
.
.

النشاط اللاصفي والمخاوف المباحة

عقل العقل

نشر في: آخر تحديث:

ارتبطت النشاطات اللاصفية في تعليمنا بمرحلة الصحوة التي لم تختطف التعليم فقط، ولكنها للأسف وفي مرحلة لاحقة اختطفت المجتمع بأسره، وكلنا يتذكر المعسكرات الصيفية التي كان القائمون عليها لهم أجنداتهم السياسية بعيداً عن غرس مفهوم الوطنية في قلوب الطلاب.

ومنذ تلك المرحلة ونحن نعيش حالاً من الخوف المشروع أن تتكرر عملية غسل عقول أبنائنا في تلك الأنشطة اللاصفية، وكلنا يتذكر أن أحد وزراء التعليم قال وبشكل واضح إن تعليمنا مختطف، وإن هناك منهجاً خفياً في مدارسنا، والخوف والكارثة أن تلك التصريحات من وزير التعليم في وقته لم يجب عليها بشكل واضح حتى الآن، وهذا باعتقادي أحد الأسباب التي تجعل المجتمع يساوره القلق من عودة النشاط اللاصفي والذي قررته وزارة التعليم وستطبقه بدءاً من هذا العام.

البعض أخذ على وزارة التعليم في قرارها هذا بعدم وجود البيئة المهيأة في مدارسنا لممارسة هذه الأنشطة الحرة، إضافة إلى عدم وجود الكوادر البشرية التربوية للقيام بهذه المهمة، ولكن باعتقادي أن القائمين على التعليم استشعروا أهمية إخراج الطلاب من الرتابة وإكسابهم المهارات بعيداً عن رتابة الغرف المغلفة، وهذا بحد ذاته خطوة جيدة، ومن المهم أن نحاول أن نركز في هذه النشاطات على غرس المفاهيم الإنسانية العالمية في عقول الطلاب، فهم يعيشون في عصر غير العصر الذي عشنا فيه، ويجيدون اللغات الأجنبية، واهتماماتهم تتعدى الحدود، لذا علينا الابتعاد عن التكرار والرتابة ومحاولة قولبة عقولهم، فمع هذا الانفجار المعلوماتي وسهولة الوصول إليه أصبح هناك المواطن والطالب الكوني الذي يتماهى مع العالم من حوله.

باعتقادي أن الفنون بجميع أشكالها لها الأولوية، ويفترض ذلك بهذا النشاط اللاصفي في مدارسنا، من تعليم مثلاً الموسيقى والتصوير والمسرح وتفعيل المكتبات المدرسية والمعامل العلمية والتعاطي مع البيئة، مثل زراعة الأشجار والزهور، وعلينا الابتعاد عن مفاهيم التطريز والخياطة وأدوات الطبخ، وغير ذلك من الأنشطة المكررة القديمة، كم أتمنى أن تكون هناك حصص في هذه الساعات الأربع أسبوعياً تعنى بتعليم الموسيقى بكل أشكالها من الجانب المعرفي والعملي والانفتاح على ثقافات الشعوب الأخرى فنياً وثقافياً، وحبذا لو أن هيئة الترفيه أو الشركات المتخصصة في الجوانب الترفيهية كان لها دور في هذه النشاطات، فالفرق الفنية موسيقية أو مسرحية التي تأتي من الخارج من الجيد أن يكون لها نشاط في بعض مدارسنا.

وعلى القائمين على العملية التعليمية استغلال هذه الحصص لرفع مهارات الطلاب، خصوصاً حب لغتهم العربية بعيداً عن مبدأ الثواب والعقاب، فيكون هناك تركيز على فنونها من خطابة وخط عربي والتعبير عن النفس بشكل حر، وأن يكون للحرف اليدوية من نجارة وزراعة ولو على مستوى بسيط اهتمام في هذه الأنشطة خارج فصول الدراسة. تأخرنا كثيراً في تطوير تعليمنا، ومخرجاته غير مناسبة للعصر، فأغلبه حشو وتلقين إجباري، والنتيجة بطالة في ارتفاع مستمر وشخصيات مهزوزة وضعيفة لا تعرف ماذا تريد أن تتخصص في دراساتها الجامعية، ولا شك في أن الكوادر البشرية التي يتطلبها هذا النشاط تحتاج إلى عناية فائقة بالاختيار أولاً أن يكونوا مؤمنين بما يقومون به ولا ينظر إليهم نظرة دونية في العملية التربوية كما هي حال مدرسي حصص التربية الفنية والرياضية في وضعنا الحالي. وثانياً، أن يكون هناك برنامج واضح من الجهات المسؤولة في الرقابة، حتى لا يختطف هذا النشاط من بعض القائمين عليه.

* نقلا عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.