.
.
.
.

الذاكرة المؤلمة!

عادل الحربي

نشر في: آخر تحديث:

تخيل بقية عمرك بلا أصدقاء وبلا وجوه تعرفها.. وقد تلاشت تلك الذاكرة الفسيحة التي كنت تحسبها تكفيك أبد الدهر.. تخيل ألم ذاكرتك؛ وانت تحاول أن تدفعها غصبا للتذكر.. تلك اللحظة التي تتساوى فيها الوجوه أمامك إلا من بعض ذكريات سحيقة طفت فجأة فوق كل الذكريات.. وانت تهذي بحبك الأول.. ومراهقاتك الأولى التي كنت تعتقد أنك قد واريتها إلى الأبد.. وبعض قصائد وأغان لا تريد لمن جاء يعودك أن يسمعها بصوتك!! بينما أبناؤك يحاولون إعادتك للفراش كلما عجزوا عن إسكاتك.. يسألونك عن اسمائهم وانت فعلا لا تتذكرها.. ورفيقة عمرك إلى جانبك تطردها؟ والناس لا تسأل عن حالك بل سؤال واحد هو "هل تتذكرهم"، وكأنهم جاءوا ليختبروا علاقتهم بك ويكتشفوا أخيراً مكانتهم لديك؟

ذاك اليوم الذي يواريك فيه ابناؤك عن الناس خشية انكشافك، خشية كلماتك الجارحة أو تلك التي لا معنى لها.. ذلك اليوم الذي يؤيد فيه الجميع عدم خروجك من المنزل حتى لا تهدم الصورة الجميلة التي افنيت عمرك وانت ترسمها.. وانت لا تعلم أنك تؤذيهم مرتين؛ مرة عندما لا تتذكرهم ومرة وأنت تنهار أمامهم؟.

أحد الأساتذة الذين أصيبوا بـ"الزهايمر" أذكر أنه كان يصر على أبنائه أن يأتوا به للعمل، وقد نسي كل شيء لكنه لم ينس الجانب المضيء فيما قاله أيقونة "الزهايمر" الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريغان أن "هذا مرض جميل؛ تقابل الأشخاص أنفسهم وتظن أنك ترى وجوهاً جديدة كل يوم"، وهو ما كان يفعله في كل زيارة، إذ كان يصافح الجميع مرة ومرتين وثلاثاً وفي كل مرة يكرر ذات الاحتضان والترحيب، حتى أدرك الجميع أنه لا يعرفهم.

ريغان نفسه عندما تقدم به المرض ظلت زوجته هي الشخص الوحيد الذي يعرفه؛ حتى نسيها ذات صباح كما نسي غيرها، "فشل الحب أمام الزهايمر"!

يصف ذلك الألم غازي القصيبي على لسان يعقوب العريان قائلاً: "أعيش يومي لحظة بلحظة، ساعة فساعة"، يضيف أن "سياسة الأرض المحروقة، أرض الماضي المحروقة، هذه الفكرة، على الأخص، هي التي تسبب لي الكآبة، أن أصبح رجلاً بلا ماضٍ، بلا ذكريات، بلا أمس.. تصوري أن ينسى المرء ابتسامة أمه المضيئة، أن ينسى ملامح أبيه الرضيّة، أن ينسى كل صديق عرفه..".

سيمر بكم في 21 سبتمبر القادم اليوم العالمي للزهايمر.. ورجائي أن لا تنسوه وأن تتمنوا صادقين "حياة أفضل للأشخاص الذي يعانون من الزهايمر ولذويهم".

*نقلا عن صحيفة "الرياض".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.