.
.
.
.

بالصور.. باحث يؤرخ لـ12 ألفاً شاركوا بتوحيد السعودية

نشر في: آخر تحديث:

على مساحة تزيد عن 12 متراً، قدّم الباحث وعضو مجلس الشورى سابقاً الدكتور محمد آل زلفة بمناسبة اليوم الوطني، معرضاً ضم أسماء أكثر من 12 ألف اسم من أسماء المشايخ والقادة والفرسان والمحاربين في توحيد اسم المملكة عام 1352، وشاركوا بحرب اليمن وجازان والقصيم وعسير، إضافة إلى عرض لأنواع الأسلحة المستخدمة وإحصائيات بعدد الخيول والجمال والعتاد آنذاك، وذلك في أحد رفيدة بقرية المراغة.

كما استعرض فيه آلاف الوثائق والمخطوطات التي عمل على جمعها منذ نحو 40 عاماً، وكلها تبين كيف توحدت #المملكة ومناطقها.

حول قصة هذا المعرض ورحلته مع البحث، قال آل زلفة" لـ"العربية.نت": "كانت تساورني رغبة من فترة طويلة أن هؤلاء الرجال الذين توفرت لي المعلومات عنهم لماذا لا نجسدهم بعمل ويكون الاحتفاء بهم باليوم الوطني؟ فقمت بوضع صالة في مركز آل زلفة الثقافي والحضاري لتكون معرضاً يضم 6 جداريات بطول 3 أمتار لكل جدارية يشهد على تلك المراحل المختلفة في بناء الوحدة الوطنية، وكل يقرأ اسم جده وأدوارهم ومن أي القبائل ومساهماتهم، وكل ذلك من السجلات التي أهمل توظيفها".

وأضاف: "ساعدني المكان الذي أنا فيه وهو المركز الذي عملت على تأسيسه كحلم والذي بدأت أفكر بأن أقيم به شيئا منذ 25 عاماً، ويحوي المركز أيضاً متحفاً، وهناك متحف آخر ببيتنا القديم وهو منزل شهد ولاداتنا أنا وأخواني، فأعدت ترميمه وحولته إلى متحف، وأيضاً يوجد بالمركز مكتبة كبيرة تضم حوالي 10 آلاف كتاب، في محافظة عدد سكانها 140 ألف نسمة، ولا يوجد بها مكتبة عامة أو مركز حضاري أو حتى متحف".

وتابع: "بنيت في المركز نُزلاً ليخدم #السياحة الريفية مستقبلاً، ويعود ريعه لتطوير المكتبة وصيانة المتاحف وقاعة المعرض الذي سيستمر 5 أشهر ومن ثم سأنقله إلى الرياض، كي يستطيع معظم سكان المملكة الاطلاع عليه".

وبيّن أنه بعد 40 عاماً من العمل، يرفض آل زلفة التقاعد بشكل نهائي، لافتاً إلى أنه غادر عمله في الجامعة وانتهت فتراته بمجلس الشورى، لكنه لم يشعر بالفراغ "بل وجدت نفسي متفرغاً للبحث ولمؤلفاتي ولمرحلة العطاء، وإقامة المعارض وتأسيس بلاد العرب حتى لا أكون عالة على دور النشر، وقد أنجزت خلال فترة بسيطة أكثر من 40 كتابا، وهذا شيء جميل".

غموض عسير

وبقيت منطقة #عسير وتاريخها بعيدة عن عين المؤرخ والمؤلف على حدٍ سواء، لكن آل زلفة يحاول تعويضها عن ذلك، فجعل رسالة الدراسات العليا الخاصة به عن هذه المنطقة، ووفق بذلك، وقال "عندما ذهبت إلى تركيا وجدت وثائق كثيرة عن منطقة عسير لأنها منطقة حيوية بين منطقتين حيويتين وحضاريتين.. اليمن من الجنوب والحجاز من الشمال، فلا يمكن أن تكون هذه المنطقة مهملة، فكانت رسالة الماجستير عنها وعن محمد علي باشا والدولة العثمانية، ثم أكملت رسالة الدكتوراه عنها بشكل متطور وفترة زمنية مختلفة، ووجدت أشياء كثيرة جداً كشفت ما كان يعتقد أنه غامض في هذه المنطقة وكان هذا سبب التركيز على منطقة عسير بالبحث".

وتابع: "أثناء وجودي باحثاً في الأرشيف العثماني والبريطاني والفرنسي والنمساوي، لم يقتصر البحث على منطقة عسير، بل وسعت دائرة الاهتمام بالجزيرة العربية والقوة المحيطة بالجزيرة العربية والمؤثرة، فخرجت بحصيلة كبيرة من الوثائق والمخطوطات النادرة وما كنا نجهله تماماً، فكانت لي كتابات عن منطقة نجد والأحساء والحجاز وحائل وعمان والمغرب العربي ومصر وبلاد الشام"، لافتاً إلى أن مركز آل زلفة الحضاري الآن يختزل أكبر كمّ من الوثائق المحلية والوطنية والإقليمية العربية، والعثمانية، والإنجليزية التي تخدم تاريخ الجزيرة العربية بشكلٍ كامل، ومنطقة عسير بشكلٍ خاص.

جمع المخطوطات

وأشار إلى المعاناة التي واجهته في مشواره البحثي، وتمثلت في كيفية حصوله على الوثائق العثمانية والإنجليزية والفرنسية غير أنه وجد ما يبحث عنه وبسهولة "لأنها كانت متوفرة بالأرشيفات الدولية حتى إن بعض المسؤولين عن الأرشيفات قالوا لي أنت أول عربي يأتي إلينا، فاكتشفت العديد من المصادر، ولكن لا بد من المعاناة والمشاكل وكثير من البيروقراطية بالنسبة للأتراك، خاصة بالوثائق المحلية، لأنها موجودة عند أسر وزعماء ورؤساء قبائل وموظفين سابقين".

بدأ آل زلفة بجمع هذه الوثائق من نجران لزهران ولم يترك شيخ قبيلة إلا وزارها، ومن زوده بمعلومات ووثائق كان لهم نصيب من كتابه الذي كتبه عن عسير في عهد الملك عبدالعزيز ودورها السياسي والاقتصادي في بناء الدولة السعودية الحديثة، أما الأسر الذين تحفظوا على وثائقهم فاكتفى بالإشارة إليهم بإشارات قليلة، بحكم قلة المعلومات عن دورهم.

وأفصح آل زلفة عن عتبه على من قرأ الكتاب فيما بعد، فأبرقوا إلى وزارة الإعلام لتركيزه على قبائل معينة وتركه البعض لكنه رد عليهم "بالحجة بأنني قمت بزيارتهم ولم يمكنوني من وثائقهم، وطالبت بإفساح المجال للباحثين بالاطلاع على هذه الوثائق، وكان هناك تجاوب جيد، وحصيلة رائعة خاصة في الوثائق ذات الطابع المحلي سواء في القوانين المعرفية أو الاقتصادية فكل منطقة كانت تحمي ذاتها قبل أن تكون هناك حكومة مركزية من خلال اتفاقيات بين الأعيان ورؤساء القبائل في جميع تعاملاتهم بموجب مواثيق ومعاهدات سواء على الحدود أو المياه أو المراعي وخرجت بحصيلة رائعة".

علاقة اليمن بجازان ونجران!

وأشار إلى أنه أثبت بالدليل القاطع بعهود مختلفة أن لا علاقة لليمن لا بعسير ولا جازان ولا نجران، فاليمن كانت تحصل فيه كثير من الصراعات، كالحاصل اليوم بين صالح والحوثيين، والشمال والجنوب، والزيدية والشافعية، وبين قبائل حاشد وبكيل.

وقال آل زلفة إن الحوثيين يعيدون اليوم القصة ذاتها مع ثورة اليمن بعد ثورة 26 سبتمبر التي ألغت الإمامة التي كانت سبباً رئسياً في مشاكل اليمن.

هنا، خلص آل زلفة إلى أن الخلافات هي من تجعل المناطق مضطربة وهذا ما يحصل في قطر، اليوم، فهي تدعي أنها قبيلية ومن الأسرة الحاكمة ومنها قبيلة بني تميم، وأوضح أنه "نحن نحارب فكرة القبيلة، فالقبيلة تحترم ككيان وتحترم لموقعها، ولكن أن نبني دولة على مفاهيم قبلية فهذا لا يتناسب مع العصر الذي نعيش فيه، فحكام قطر خلطوا بين إثارة بني تميم بالجزيرة العربية، وصغر المكان وعدد السكان"، لافتاً إلى أن "قطر الآن لا تحتمل أن تندلع فيها حروب أهلية، فبعض القبائل كبني مرة على سبيل المثال يشكلون 60% من سكان قطر، والآن سحب الجنسيات من هذه القبيلة ومن الهواجر وهم أيضا يشكلون ما نسبته 40% من السكان، إذن من سيبقى بقطر؟".

وأضاف: أنا أعتبر كل فرد في #الجزيرة_العربية من أبناء هذه الجزيرة سواء كان في قطر أو الإمارات أو في اليمن أو الكويت أو السعودية، وكلهم أبناء عمومة، وندعو ونتأمل أن يكون هذا الحيز الجغرافي كله دولة واحدة وأخوة، ولكن بعض الحكام وبعض المؤدلجين يخلقون مشاكل وتكون منصبة على شعوبهم. واعتبر أن المؤرخين لا يدخلون بالمجادلات السياسية إلا بالحقائق، وهي تقول إن سكان الجزيرة العربية إخوة ولو اختلفوا في المفاهيم أو المذهبية إلا أن أصولهم واحدة، ويجب أن يرفضوا أي تدخل لأي أجنبي في شؤونهم.

دار بلاد العرب

وعن دار بلاد العرب التي يمتلكها، قال آل زلفة: "تعني من اسمها كل الدراسات التي تخص الجزيرة العربية. أبوابها مفتوحة لكل من يؤلف أو يهتم بأي جانب من جوانب تاريخ الجزيرة العربية".

ووضع آل زلفة شروطاً لا بد للمؤلف الالتزام بها، وهي أن يمتلك أدوات المؤرخ موضحاً "لدي حالياً مشروع كبير لنشر المخطوطات التي جمعتها من الأرشيفات الدولية خاصة الأرشيف العثماني بالآلاف وتتعلق بكل أنحاء الجزيرة العربية، فإذا الله وفق الإنسان بنشر هذه الحصيلة فأنا أعتبر أنني أنجزت أهم مشروع في حياتي، ونشر الوثائق المحلية في السعودية واليمن وعمان .. لم تنشر من قبل وتيسر لي الوصول إليها".

وأضاف أنه لا يريد أن يواجه الباحثون اليوم نفس معاناته التي واجهته "لكن الباب مفتوح للإضافة والتزيد من العلم ومواصلة البحث"، على ما قال.

الطباعة خارج المملكة

وحول مشاكله مع الفسح لمؤلفاته من قبل وزارة الثقافة والإعلام، قال: "للأسف عالمنا العربي والسعودية بشكل خاص يعاني من مشكلة الرقيب، والرقيب غير المتخصص".

وتابع: "أما الرقيب المتخصص فلا أخشى منه، ولكن الجاهل في التخصص حينما يعرض عمل مؤرخ على إنسان غير مؤرخ فهذا سيحكم على العمل بكثير الجهل لعدم معرفته بالتخصص ويعطي ملاحظات خاطئة لأن هذا المجال ليس من اختصاصه أو أن ثقافته التاريخية ليست ذات الأبعاد التي يجب أن تتوفر في المؤرخ، فعانينا من هذه المشكلة ما اضطر كثيرا من المؤلفين والمؤرخين إلى أن يطبعوا مؤلفاتهم خارج المملكة، وأنا اضطررت أن أطبع أعمالي خارج المملكة".

سيدة أبها

وعن الرواية التاريخية "سيدة أبها" التي ترجمها الدكتور محمد، قال: "إن الكتاب مثير وأحداثه مميزة وقد قرأته باللغة الإنجليزية وحاولت الاتصال بالمؤلف، ولكن شاء القدر أن يتوفى المؤلف بعد شهرين من صدور هذه الرواية، وقد اتكأ على التاريخ كطريقة رواية".

وأضاف: "عندما قمت بترجمته رغبة في إشراك القراء العرب بأحداث الرواية، لم أحاول أن أتدخل كمترجم بتعديل أو تصحيح الأحداث، لكنني ركزت على دقة الترجمة، لأن الرواية عمل إبداعي، ولا يحق لأي أحد التدخل بأحداثها، وهذه الرواية لها رواج كبير، خاصة في معرض الرياض الدولي للكتاب، ومعرض جدة".

وعن الترويج الإلكتروني لمؤلفاته، قال إنه سيبدأ قريباً بهذه الخطوة كي يصل لأكبر عدد من جمهوره ممن لا يستطيعون اقتناء الكتب.

لا يملك حسابات "تواصل"

وأوضح أنه لا يملك أي حساب بمواقع التواصل الاجتماعي لأنه لا يريد أن يصرف كل جهده ووقته في الرد على الآخرين.

وقال: مثلاً في كتاب ضم القصيم، للأسف أهمل كل من كتب عن القصيم ذكر هؤلاء الناس لعدم توفر البيانات الرهيبة عمن شارك بحرب القصيم والتفاصيل الأخرى، حينما صدر الكتاب واحتوى على أكثر من 2500 اسم من غالبية القبائل بالقصيم.

وقال: "سر من قرأوا الكتاب عندما وجدوا أسماء أجدادهم مذكورة وكانت ملاحظاتهم أن هناك خطأ في الاسم أو أنه غير كامل، وذلك بسبب أن من كتب الأسماء في السجلات كتبها بأسماء ثنائية أو فردية أو باسم العائلة وأحياناً باسم القبيلة. قمت بالتصحيح في الطبعات الجديدة".

زوجات الباحثين

واعتقد آل زلفة أن زوجات الباحثين أكثر النساء تضحية، لأن الباحث ينصرف إلى عمله وقد يعشق مخطوطة أو ثيقة نادرة ويعيش معها كأنها كائن حي، وهذا على حساب زوجته وأولاده.

وشكر آل زلفة زوجته التي عاصرت رحلته مع البحث منذ اليوم الأول لدخوله الجامعة: "شاء القدر أن أتزوج يوم دخولي الجامعة، وكانت معاناتها معي كبيرة، حتى إننا عندما كنا بتركيا مررنا من أمام إحدى المكتبات ولفت نظري إحدى المخطوطات القديمة ما جعلني أتعطش لشرائها إلا أنني لا أملك المال، فعندما رأتني بهذه الحالة قالت لي أتركك مع كتبك وأوراقك وسأذهب قليلا للتسوق وأعود، فذهبت وباعت قطعة ذهبية من يدها وأتت بثمنها لي لأشتري المخطوطة".

ووقف آل زلفة عند زواجه، قائلاً: "في شهر أغسطس القادم سنحتفل بمرور 50 عاماً على زواجنا، وهذه رحلة طويلة عانت معي فيها في أميركا وبريطانيا وتركيا. إن هذه الزوجة الصالحة كانت أكبر عامل مساعد لي لأن أكمل مشواري في البحث".