.
.
.
.

موسكو تستقبل سلمان استقبال الفاتحين

محمد خضر عريف

نشر في: آخر تحديث:

على مدى عقود مضت، لم نرَ استقبالا لزعيم عربي أو عالمي زار روسيا من قبل، يعدل في حفاوته استقبالها لخادم الحرمين الملك سلمان حفظه الله، فقبل وصوله بأيام ازّينت شوارع موسكو بصوره وبأعلام المملكة، حاملة شعار «لا إله إلا الله، محمد رسول الله». ولأول مرة يُعزف السلام الملكي السعودي تحت قبة الكرملين، وظهر للعيان في كل مراسم الاستقبال الفارهة، أننا لم نشهد لقاء رئيس بملك فحسب، بل شهدنا لقاء زعيمين بكل ما توحي به كلمة (الزعامة) من معانٍ، وكما شرحتُ وبينتُ في مقالة سابقة، فإن الدول الأقطاب في العالم اليوم ثلاث: قطب غربي هو أمريكا، وقطب شرقي هو روسيا الاتحادية، وقطب عربي إسلامي هو المملكة العربية السعودية، فلا يختلف اثنان على أن المملكة اليوم بقيادة سلمان هي قائدة العمل العربي الإسلامي المشترك، وبالتالي هي زعيمة العالمين العربي والإسلامي دون منازع، وهو أمر يدركه القطبان الآخران، وليست زيارة الرئيس ترامب للمملكة عنا ببعيد، حين كانت المحطة الأولى لزياراته الخارجية بعد توليه زمام الرئاسة، ومعلوم للجميع حجم وأهمية الاتفاقيات والمعاهدات التي تحققت في تلك الزيارة التاريخية.

وتأتي اليوم زيارة تاريخية أخرى هي زيارة خادم الحرمين للقطب الشرقي التي كانت محط أنظار العالم كله لتتمخض عن إحدى عشرة اتفاقية ومذكرة متعددة الجوانب السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية وغيرها، وتشمل: استكشاف الفضاء الخارجي والإفادة من ذلك في الأغراض السلمية والعلمية والتعاون في مجال الاتصالات وتقنية المعلومات، وتبادل الخبرات بين وزارتي التجارة والاستثمار السعودية والصناعة والتجارة الروسية، والأمر نفسه بين وزارة التجارة والاستثمار السعودية ووزارة الطاقة الروسية، والتعاون والتفاهم في مجال العمل والتنمية والحماية الاجتماعية والتبادل الثقافي، والتعاون في مجال استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية، والاتفاق على توريد أنظمة عسكرية لنقل وتوطين تصنيع وتقنية تلك الأنظمة والاتفاق على إنشاء منصة سعودية – روسية للاستثمار في مجال الطاقة، وإنشاء منصة أخرى مشتركة للاستثمار في التقنية، إضافة إلى مذكرة تفاهم حول ثلاثة مشروعات للطرق والقطارات الخفيفة، عدا اتفاقيات وتفاهمات أخرى عدة.

وتتصدر تلك التفاهمات والاتفاقيات ما توصل إليه الطرفان من العمل على توطين تصنيع السلاح ونقل تقنياته للمملكة بما يحقق أهداف وتطلعات رؤية 2030م، بحيث تتمكن المملكة من توطين تصنيع السلاح بنسبة 30% في مرحلة أولى تليها مراحل أخرى، وذلك بهدف تحقيق استراتيجية توفير الحماية اللازمة لأمن واستقرار المملكة، وكذلك توفير فرص عمل جيدة للشباب السعودي. وتشمل تلك التقنية المراد توطينها، والتصنيع المراد نقله منظومات الصواريخ العالية التقنية، وصولا إلى الأسلحة الخفيفة مثل الكلاشينكوف، كما نقلت وسائل الإعلام العالمية الموثوقة. ولأمر يريده الله، تزامنت هذه الاتفاقيات مع موافقة أمريكية بتزويد المملكة بمنظومة سلاح متطورة بمبلغ يصل إلى خمسة عشر مليار دولار، ولا يدل ذلك إلا على اجتماع آراء الشرق والغرب على الثقة المتبادلة بين تلك الدول الكبرى وبين المملكة، وبالإضافة إلى التفاهمات الخاصة بالتسلح تأتي الاتفاقيات والتفاهمات حول سياسات سوق النفط بين القطبين المهمين وصاحبي التأثير المباشر على استقرار تلك السوق وهما المملكة وروسيا، وقد وصل الطرفان إلى قناعات راسخة بأن التنسيق الكامل بين منتجي النفط خاصة المملكة وروسيا هو السبيل الوحيد لاستقرار السوق والنهوض باقتصاد البلدين. وبالنظر إلى كل تلك النتائج الباهرة لهذه الزيارة الموفقة يتبين أنها زيارة استثنائية بكل المقاييس، وستليها إن شاء الله نتائج باهرة أخرى حين يزور الرئيس بوتين نفسه المملكة قريبا ملبيا دعوة خادم الحرمين الشريفين.

*نقلا عن "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.