مهنة العيش

سعد الحميدين
سعد الحميدين
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

"عندما نكتب رواية لانكتب كل شيء بالتتابع، فبعد كتابة المقدمة كتبت النهاية: منحني القص قناعاً، وبررت الإيقاع والأسلوب، وسمح لي بأن أتظاهر بتقليد كتابة شخص آخر، كما لو كنت أرسم شاربين للجوكندا ثم ذقن وساقين لكي اتوصل إلى شيء كالسفراء"

( امبرتو إيكو )
مهنة العيش هي أهم عنصر في حياة الإنسان وكيانة، فلولا المهنة التي يمارسها الإنسان في حياته لكي يَعِيشَ ويُعَيِّشْ لما كان للحياة قيمة، وأصبح الإنسان كما الكائنات الأخرى التي تهيم في البحار والبراري والأجواء، تعتاش من بعضها قويها من ضعيفها، ولكن الإنسان الذي امتاز عن الكائنات بالعقل الذي هداه وحتم عليه التَّدبر، والتَّنظيم الذي أدى إلى التعايش مع أخيه الإنسان ويكون عملهم جميعاً في سبيل الحياة المشتركة وتبادل المصالح، أوجد الأشياء والوسائل التي تؤدي وتوصل إلى الغايات المنشودة للبشر.

في مذكرات الكاتب الإيطالي (تشيزاري بافيزي) التي عنونها بـ(مهنة العيش) وترجمها إلى العربية عباس المفرجي ما يشرح ويفسر ويعلل أساليب كثيرة للمهن، ولكن ركز على مهنة الكتابة كمصدر للعيش، وأي كتابة كانت في الفلسفة أو الأدب، أو الفن بأنواعه، ويصف تجربته في ممارسة الكتابة كمهنة، حيث من بداية شبابه وهو في عراك باطني مع نفسه حول كيف يكتب، ولمن يقرأ وليس لديه من مُوَجِّه يرشده، ولكن الحدس الخاص الذي حَطَّ بثقله على حيرته هو أن يقرأ ماتقع عليه يداه وما تشاهده عيناه، وفي أي عمل يَشْتَمُّ فيه رائحة الإبداع، قرأ كثيراً فاستفاد المعرفة وأسلوب الكتابة، فلجأ إلى كتابة القصة وحاول إلى أن وجد من ينشر له شريطة أن يعمل معه في النشر، واستمر، فقد اتضحت أمامه المهنة، ولمَّا أصابه الملل من العمل استمر في التأليف في القصة والرواية والشعر، والنقد، إذْ عاد إلى ما سبق أن قرأ أو بعضه للفلاسفة، والأدباء، والنقاد، وأخذ يُفَنِّدُ ويُفَكِّكُ بِتَلَذُّذٍ، فيكتشف الكثير ويصحح في مساره ماكان قد رسخ وتَوَطَّد، فلا عَيْبَ أن يعدِّل الكاتب أو المفكر من أفكاره فيضيف ويلغي تبعا لما توصل إليه تفكيره، وفي مذكراته الكثير من النقاشات والمقولات المتداولة، والأفكار الخاصة به، فذاتيته حسب وصفه هو: "من لا ينقذ نفسه لايمكن لأحد أن ينقذه"، "الإنسان المؤهل لأقوى المشاعر هو الذي يمتلك الفكرات الأكثر حيوية "الى أن يصل إلى الركيزة والمنطلق الأساس:

"لاحظت أنِّي في خريف (38) اكتشفت أسلوباً وفكرات متسلسلة تأخذ كلها سبيلها نحو الذروة، ولاحظت أيضا أنني حينئذ قررت للمرة الأولى في حياتي تحسين سلوكي، يعني حددت نظرياً ما أريد أن أكون، وفي الحال صرت قادراً على كتابة رواية كانت تجريبا لذاك الموقف "فاستمر يكتب في فنون الأدب بمستوى رفيع.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.