.
.
.
.

رحلة الموت: الراكب الخفي

علي سعد الموسى

نشر في: آخر تحديث:

المشهد الأول: كان الخبت التهامي الفسيح يعج بعشرات الموظفين، وكل فرد منهم كان يمني النفس بالصعود إلى المروحية لاختصار زمن وتفاصيل الرحلة. تنازل الموظف الصغير عن مقعده تقديراً لشخصية مهمة لم تكن في الأصل ترغب في العودة إلى المدينة. اطمأن قائد الطائرة على كل تفاصيل المقصورة. ألقى نظرة على الوجوه،

ولم يكن لينسى العدد بالضبط. لم يكن أحد منهم يعلم عن وجود راكب خفي. لم يلحظه أحد. لم تشاهده عشرين عيناً يقظة. لم ينبس هذا الراكب المتخفي ببنت شفة، ربما تسلل من الباب الخلفي الصغير لهذه المروحية. ربما نام تحت أحد مقاعدها منذ ليلة البارحة، ربما تسلل خلسة إلى بقية الفراغ الضيق في حقيبة المعاملات الوحيدة التي شحنوها في زاوية ما بين المقاعد. راكب خفي تدور حوله كل أسئلة اليقين الحق في حياتنا، راكب خفي لا يرقى إليه أدنى ذرة من شك. ارتفعت الطائرة. شاهد عيان على الأرض ينقل لنا أنها حلقت بكل نشاط وكأنها حلاوة الروح قبل سكرة الموت.

المشهد الثاني: بعد نصف ساعة. فجأة يظهر الصمت المطبق. يلحظ الركاب حركة غير اعتيادية في كابينة القيادة التي كانت بلا باب أو حواجز عن المقصورة. يضج الجميع بالأسئلة إلى قائد الرحلة الذي كان يتحاشى نقل الجواب النهائي المخيف. كلما ذلف من فوق قمة جبل تنفس الصعداء. نظر إليهم بابتسامة تطمين. وكلما استطاع الانتصار على رأس جبل واجهه الجبل الذي يليه، يا إلهي: كانت من قبل مجرد خمسة جبال متتالية. كيف تحولت في هذه الرحلة إلى خمسين جبلاً متراصة. الآن يواجه الجبل الأخير الذي يعرفه من قبل طائراً أو راجلاً. هنا قمة السحاب الأخيرة. أخذ في نهاية الفراغ التهامي دورة نشاط قبل أن يتحدى الجبل الأخير. كان يدرك أن المسألة حمل زائد لراكب خفي. كلما ارتفعت هوت بنصف الارتفاع. كاد أن يتنفس صعداء جبل السحاب الأخير. بقي أمامه ثلاثون متراً ولا شيء أمامه سوى القرار الشجاع الأخير، فجأة يواجه صخرة الموت الأخيرة. كانت لا إله إلا الله من الأفواه أقوى من صوت الارتطام المهول. هنا ظهر الراكب الخفي. الناجي الوحيد في رحلة الموت. أكمل مهمته في زمن لا تحسبه حتى الدقائق الصغيرة من بضع الثانية الواحدة. خرج سالماً ولم يجب على أحد. لم يتصل بأحد ولم يرسل بنت شفة إلى آلاف المنتظرين. لا أحد يعرف أين سيذهب وعلى أي روح من بعدهم سيقبض.

*نقلاً عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.