رحيل جبل اسمه أبو بكر

محمد العصيمي
محمد العصيمي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
دقيقتان للقراءة

اليوم سأرتاح وأريحكم من الحديث في السياسة ودهاليزها والتباساتها، لا سيما تلك الالتباسات التي تزايد على موقف المملكة من القضية الفلسطينية والقدس.

سأحدثكم عن رحيل الجبل أبو بكر سالم بلفقيه، هذا الشاعر والملحن والمطرب الذي لا يوجد سعودي، من جيل الطيبين، أو عربي إلا وردد بعض أغانيه وترنيماته الماسية الخالدة. كان بصمة مختلفة عن كل مجايليه لأنه (سلم موسيقي) بذاته وصوته وتنقله، بقدرة فائقة، بين علو المقامات والعرب وانخفاضها.

كثيرون منا تثقفوا موسيقياً ووجدانياً على صوت هذا العربي، اليماني السعودي، الذي ترفّع كثيراً عن مطبات النجومية وما تحمله من مهددات الابتذال. لم يكن يغني ليكسب المال أو الشهرة. هو غني بربه وذاته، وغني جداً بعشقه للكلمة العربية التي درّسها ذات فترة من حياته؛ وتمكنت من وجدانه باعتبارها كلمة بليغة إن تحدث أو دندن بها أو استمع إليها. كان مثالاً للفنان المثقف الذي لا يُمل حضوره ولا غناؤه ولا مجالسه التي تشبه صوالين الأدباء.

كل من تحدث عنه بعد رحيله، رحمه الله وأحسن عزاء أسرته وذويه، ذكره باعتباره من جيل العمالقة الذين يرحلون ولا يُعوضون، ليس لأن الأمة العربية لم تعد تلد كباراً وعباقرة، بل لأن واقع سوق الموسيقى، وواقع المنتجين والمتصدرين لهذه السوق، يفرض ذوقاً مستورداً رخيصاً يهتم بكل شيء إلا جودة الصوت وروعة اللحن والأداء.

لم يعوض أحد أم كلثوم ولا عوض أحد عبدالحليم أو فريد أو وردة أو طلال مداح، ولن يعوض أحدٌ أبا بكر سالم. كل ما نأمله فقط هو أن يُجمع تراثه الموسيقي والغنائي، كما يليق به، ويحفظ بطريقة تكون قابلة للاستذكار والاسترجاع حين تصحو أجيال في المستقبل وتبحث عما كان اسمه فن أصيل بعد أن يرهقها الغثاء السائد.

وبهذه المناسبة الحزينة أدعو جمعيات الثقافة والفنون في جميع مناطق المملكة لإحياء ليلة باسم هذا العملاق نستمع فيها فقط إلى ألحانه وأغانيه ودندناته وأحاديثه الشيقة، ففي ذلك، على الأقل، وفاء لتاريخه وتوثيقا لمسيرته.

* نقلا عن "اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.