.
.
.
.

الصح والخطأ ثقافة

عبد الله بن بخيت

نشر في: آخر تحديث:

من ذكرياتي في العمل في إحدى السنوات لاحظنا اختفاء بعض الأجهزة من مبنى الإدارة التي كنت أعمل بها. اكتشفنا أن ثمة سرقات تحدث بين فترة وأخرى. عدد الموظفين كبير وعدد المتدربين الذين يراجعون المبنى أكبر. عقدنا اجتماعاً نتدارس الأمر. قررنا أن نغلق الأبواب نهائياً عدا الباب الرئيسي حيث يجلس السكيورتي. كل من يخرج أو يدخل المبنى يجب أن يمر على الباب الرئيسي. كان قراراً صارماً وصائباً مئة بالمئة حسب فلسفتنا آنذاك. في ذلك الزمن لم تكن مسألة السلامة ذات قيمة. النظرة المثالية أملت علينا إغلاق الأبواب نكاية بالحرامية. مستعدون أن ندحر اللصوص ولو بأرواحنا. بالفعل كانت أرواحنا هي الثمن. ماذا لو شب حريق في أي لحظة. المخارج التي أغلقناها كانت مخارج عادية ومخارج طوارئ في نفس الوقت. انحزنا للجانب المثالي ولم ننظر إلى الجانب العملي. إذا بحثت في أصل قرارنا ستجد أن مصدره ثقافي. نوافذ بيوتنا تشهد على ذلك. معظم البيوت السعودية تحاط نوافذها بالحديد. نموت من أجل حرامي نسبة تعرضنا له تكاد تكون صفر. (تأمل في باب سد الذرائع).

في الوقت الذي كانت فيه فرنسا تتحضر لمنع الحجاب صدرت مذكرة من إدارة التعليم في مقاطعة اونتاريو بكندا تؤكد على عدم اعتراض الطالبات المسلمات في حال ارتدين الحجاب.

كندا وفرنسا تأخذان بالعلمانية التي أساسها احترام الأديان وحقوق الإنسان. ما الذي جعل فرنسا تتناقض مع كندا.

تتفشى في أوروبا النظرية المثالية. القرار في عمومه لا يتخذ دائماً بناء على التجارب والإحصائيات وإنما على النظرة المثالية. النظرة الهيجلية. بينما (أمريكا الشمالية) طابع حياتهما يقوم على النظرة (البرجماتية). لا ينظر الأمريكان للتاريخ ليأخذوا منه العبر بالصورة التي تحدث في مجتمعاتنا والمجتمعات الأوروبية. يقيسون قراراتهم على النتائج والإحصائيات لا على نظرة متعالية تحرم وتحلل. عندما قررت فرنسا حضر الحجاب كانت تحت تأثير المبادئ بينما كندا نظرت من الزاوية العملية. لسان حالهم يقول لم يأتنا منه ضرر سنصطدم بمواطنينا المسلمين والليبراليين الكنديين وبالعالم الإسلامي دون مبرر. معركة لا تستحق أن تخاض. (إذا ذكرتني بقرار مقاطعة مونتريال الكندية الذي يمنع الحجاب في الأماكن العامة ذكرتك أن مونتريال فرنسية أكثر من أي شيء آخر).

راجع المعارك التي دارت بين المثقفين والمتشددين في المملكة في السنوات الأخيرة سترى أنها صراع بين نظرتين. إحداهما متعالية لا علاقة لها بالواقع، والأخرى تأخذ في الحساب الواقع والقدرة والخطر المترتب وموقف العالم.. إلخ.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.