درجات

محمد اليامي
محمد اليامي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

الفرد العربي البسيط سعيد بما يحدث في إيران، والبساطة هنا ليست تقليلاً من الشأن، لكنها وصف لمن تكون يومياته أقرب إلى الكدح والبحث عن لقمة العيش منها إلى رفاهية الاهتمام السياسي، والعمق الفلسفي والفكري لما يحدث عن تغير علاقة الشعوب في العالم بالسياسة «التي تربط نفسها بالدين» على سبيل الادعاء لا الحق، وربما يكون افتراض أن هذا شيء من الرفاهية العقلية هو في حد ذاته محاولة «كادحة» للبحث عن لقمة، أو لقيمات العقل الجمعي العربي أو الإسلامي.

أجل نحن كأفراد بسطاء لا نفقه كثيراً في السياسة وتفاصيلها ودهاليزها، سعداء لأن النظام في إيران «أرسل الله له» ما يشغله عنا، أو بعبارة اللبناني عندما يكون مغتاظاً، ما جعله «يحل عن سمانا»، وما يهدده في عقر داره، وهو الذي سعى في خراب الكثير من الديار العربية والإسلامية، وكان سبباً مباشراً وواضحاً – حتى لنا نحن البسطاء - في تبديد مقدرات وحياة ومستقبل أربع دول عربية تراقص «الملالي» على أنقاض تنميتها، وتنمية وازدهار إنسانها.

ربما، كما نتمنى، نحن البسطاء أن تزداد وتيرة الاحتجاج في الشارع الإيراني، بأقل قدر من الدماء، وأقل قدر من الدمار ويحصل التغيير الذي لا يعنينا شأنه كثيراً في الداخل الإيراني لأنها شؤونهم الخاصة، لكنه عنانا لسنوات طويلة لأن النظام هناك كرّس أموال الشعب وناتجه الاقتصادي لخدمة أهداف تدمير «آخرين» وجدهم الفرد الإيراني لا يعنونه كثيراً، بل وجد أن تدميرهم كان يعني دوماً تدميره هو وثقافته، وإرثه الحضاري، والأهم اقتصاده ومستقبل أبنائه وبلاده.

بالصعود إلى درجة أعلى في التفكير، يجد المراقبون «غير البسطاء» أن مؤشرات البراغماتية الفردية طغت في الحالة الإيرانية على ما يسميه النظام هناك كذباً بالمصلحة العامة، لأن الفرد يكتشف بمرور الأيام أن المصلحة العامة تقتضي بالضرورة تحقيق أكبر مقدار من مصالح الأفراد لتجتمع جميعاً وتصبح في مجملها مصلحة عامة.

ليس هذا فقط بل إن الأمر يعني امتداداً أكثر لفكرة أن « تديّن الفرد» شأن يعنيه، وأن « تديّن المجتمع» شأن يجب أن يخضع لما هو أكثر من محاولات التنميط الهادفة إلى تحقيق أجندات لجماعة معينة، «الملالي» في الحالة الإيرانية، والإخوان في حالات أخرى «مجاورة».

على درجة أعلى، وربما أعمق، تظهر على الفرد المسلم أياً كانت طائفته، وسواء كان عربياً أو أعجمياً، ملامح فلسفة جديدة بعلاقته بالتراث الفقهي الذي بدا يتعامل معه بطريقة أكثر تنويراً، إذ إنه يسلط عقله وعينيه أو ما يمكن تسميتها «أنواره الخاصة» على ما ينقل له أو يقال أو يدير شأن حياته ومستقبله، ولم يعد يكتفي بأضواء الآخرين، الذين كانت تمثلهم فئات احتكرت ذلك، أو أفراد ربما، بتواطؤ مع السلطة أحياناً، وبالالتفاف عليها أحياناً أخرى.

الفرد المسلم اليوم يقترب من إسلامه من دون الاتكاء على أشخاص قوّضوا كثيراً من روحانيته وانسجامه مع الحياة، وقوّته التي يدعوه قرآنه المقدس الكريم إلى إعدادها دوماً لمجابهة «الأعداء».

تحرير الفرد الإيراني من نظامه الظالم، وتفرّغ هذا الشعب، ونظامه الحاكم المقبل الذي يرتضيه، سيغيّر كثيراً من الأوضاع إلى الأفضل، لذلك يحاول «البعض» الوقوف ضد إرادة الشعب هناك وتأييد الظالم على المظلوم.

*نقلا عن صحيفة "الحياة".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.