.
.
.
.

طلباتكم أوامر!

نايف معلا

نشر في: آخر تحديث:

أن تنتقد وتطالب وتجد آذاناً صاغية واستجابة فورية تعالج ما تنتقده أو تحقق ما تطالب به، فأنت تعيش في دولة تحترم حقوق الإنسان وتحميها وتفي بها، بكل المقاييس! ليس هذا فحسب بل أنت شريكٌ للسلطات في اتخاذ القرارات.

هذا ما يحصل وما حصل - تحديداً - بصدور الأوامر الملكية التي تهدف إلى إحاطة المواطن بمزيدٍ من الضمانات الاقتصادية لمواجهة أثر الإصلاحات الاقتصادية، فبتصور المشهد المتمثل بمطالبات المواطنين المحبين لوطنهم والمتجردين من أي انتماءٍ إلى غيره، وصدور الأوامر الملكية تبعاً لذلك، تتجلى لنا هذه الاستجابة الفورية في أوضح صورها، مدفوعةً بتمسك قادة هذه البلاد - حفظهم الله - بقيم العدل والمساواة وغيرها من قيم حقوق الإنسان، وبحرصهم على كل ما يجلب المصلحة للمواطن ويدرأ عنه المفسدة في ضوء مقاصد ومبادئ الشريعة الإسلامية.

الاستجابة الفورية للمطالب المشروعة، تعني عدم الانفصال عن الواقع في التخطيط والتنفيذ، وهو ما ينم عن ثقة كبيرة وعقلية معاصرة لدى المسؤول، فإذا توافرت الاستجابة الفورية لدى صانع القرار الأول في المملكة ومهندس رؤية المملكة 2030، فذلك أدعى إلى أن تكون حاضرة لدى من دونهما من صنَّاع القرار، إذا ما اتخذوا قرارات أو إجراءات لم تتناسب بشكلٍ كامل أو جزئي مع الواقع، أو أن الواقع فرض معطيات جديدة لم تكن مرعية عند إعداد تلك القرارات والإجراءات.

وهذا يقودنا إلى ملاحظةٍ بالغة الأهمية، وهي أن رؤية المملكة 2030 صُممت برامجها ومبادراتها بمرونةٍ تجعلها قابلة للتعديل بمختلف أشكاله في أية مرحلة من مراحل تنفيذها، وهي من الميَّزات التي تتسم بها الرؤى والخطط الاستراتيجية الناجحة، أما الرؤى والخطط الجامدة، فهي تحت رحمة الواقع الذي غالباً ما يكون عديم الرحمة.

كما أن رؤية المملكة 2030 وما تبعها من تدابير، في مقدمها اتخاذ مزيد من التدابير لمعالجة آثار الإصلاحات الاقتصادية، تسير في فلك أهم مبدأ من مبادئ التنمية، وهو أن الإنسان محور التنمية وموضوعها والمستفيد منها، وفقاً لما جاء في إعلان الأمم المتحدة للحق في التنمية 1986، فكما ينبغي مراعاة ذلك في نتائج الرؤى والخطط الاستراتيجية، ينبغي وبالقدر ذاته مراعاته في حيّز الواقع بين إعداد تلك الرؤى والخطط وبين نتائجها (حيَّز التنفيذ)، ولتقريب الصورة في شكل أكبر، إذا لحق الإنسان ضررٌ يمس حقوقه جراء تنفيذ خطة تنموية، فينبغي معالجة هذا الضرر على وجه السرعة، والمضي قدماً نحو تحقيقها، وهذا ما تحقق في المشهد الذي استحضرناه آنفاً (مطالبات المواطنين وصدور الأوامر الملكية)، ولاسيما أن الحق في التنمية حقٌ أمَدي، فهو ليس مشروعاً ينتهي في زمن محدد وإن كانت الرؤى والخطط التي تعالجه مؤطرة بزمن.

ومما يلاحظ أيضاً من الاستجابة الفورية لمطالب المواطنين أن المشاركة في صناعة القرار، بمفهومها الأوسع والأشمل، متحققة، بخلاف مزاعم انعدامها التي يروجها البعض (لحاجة في نفسه لم ولن يقضيها) مستحضراً الطرائق التقليدية للديموقراطية، فبالنظر إلى المشهد - موضع النظر - تتضح لنا معادلة طرفها الأول (مطالبة مشروعة)، وطرفها الثاني (استجابة فورية)، ونتيجتها تحقيق الهدف الذي يوازن بين تلك المطالب وبين برامج ومبادرات رؤية المملكة 2030، وهذا ما تفتقر إليه كثير من الدول التي تختال بديموقراطيتها وتروجها على أنها نموذج مثالي، فبعض تلك الدول، وبخاصة الغربية التي تقدس الحقوق المدنية والسياسية على حساب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ تجتهد كثيراً في إطار وسائل إشراك مواطنيها في صناعة القرار، ولكنها لا تبذل أدنى جهدٍ في تحقيق الغايات المرجوة من تلك الوسائل!

*نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.