اقتصاد الشعوب.. الهاجس والمشاركة
العالم اليوم اقتنع متأخراً أن الحروب والثورات هي أسوأ وسائل السيطرة على الدول والشعوب، وعاد إلى مربعه الأول في السيطرة الحقيقية بالاقتصاد والتكنولوجيا والعلم، وبدأت التحالفات الإقليمية والدولية تنهض مجدداً على هذا الأساس، من خلال منظمات عالمية مشتركة، وشراكات عمل ثنائية لتبادل المصالح ودعم الاستثمارات، إلى جانب عولمة رؤوس الأموال العابرة للحدود بلا قيود سياسية أو جغرافية، وانفتاح الأسواق نحو التنافسية وليس الهيمنة التي فرضتها أجندات العولمة.
اللافت أن سيطرة الاقتصاد على توجهات الدول وسياساتها في برامج الإصلاح، وكفاءة الإنفاق، والتوازن المالي، ومحاربة الفساد؛ لم يكن بمعزل عن شعوبها، حيث بدا واضحاً أن تلك الشعوب تتحدّث أيضاً عن مصالحها ومستقبلها الاقتصادي، وتتجاهل كثيراً من معوقاتها الفكرية والمذهبية من جهة، وتتخلى عن قناعاتها وأجنداتها السياسية والاجتماعية من جهة أخرى.
لنا في منطقتنا العربية شواهد حية على الفعل الاقتصادي في حياة الشعوب؛ لنأخذ العراق مثلاً حين كان مستنقعاً للإرهاب، والطائفية، والحروب المتتالية، والأسوأ أطماع إيران ودول أخرى في ثرواته، ومع كل ما حدث من فقر وخوف ودمار بفعل تلك الممارسات عاد الشعب العراقي يتحدث اليوم عن اقتصاده، ومستوى دخله، وبطالته، وتناسى دعوات الطائفية، والتصنيفات المذهبية، وأصبح هاجسه لقمة عيشه.
ولنا في إيران درس عميق؛ حين اكتشف الشعب هناك أن نظام الملالي أضاع ثروات بلاده على حروب طائفية بالوكالة، وأخرى بالتدخل المعلن في حروب وثورات إقليمية، وكانت النتيجة الخروج للشارع بحثاً عن بديل لجوعه وفقره وتخلّفه، وتجاوز حصانة الولي الفقيه، وقمعية حرسه الثوري، وصورية حكومته المغلوب على أمرها، وهتف لمعيشته، ومستوى دخله، وأمان مستقبله.
الاقتصاد في حياة الشعوب أصبح أداة للتغيير، وهاجساً للدول التي لم تقرأ الواقع الجديد للسيطرة، ولم تبادر في احتواء ردود الفعل مبكراً؛ لذا لم تؤمن الشعوب بإيديولوجيا المذهب أو الفكر السياسي الذي يغذيه، وليس لديها استعداد أن تنظر طويلاً على حساب حياتها ولقمة عيشها، أو على الأقل أن تمنح الحكومات فرصة للتغيير والثقة في وعودها؛ وهو ما يعني باختصار أن اقتصاد الشعوب أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول اليوم.
ولكن؛ على الشعوب أيضاً أن تتحمّل مسؤولياتها في تقبّل سياسات حكوماتها في الإصلاح الاقتصادي، وتبعاته في الترشيد، والبدائل المتاحة للنهوض، فلا يمكن أن تتحمّل أي دولة المسؤولية وحدها، وهنا نحتاج إلى وعي شعبي في تمرير استراتيجية الاقتصاد القائم على المشاركة في الإنتاج والمسؤولية، والتوافق في العمل معاً نحو تعميق ممارسات الشعب في الاعتماد على ذاته أكثر من حاجته في الاعتماد على حكومته.
*نقلا عن صحيفة "الرياض".