.
.
.
.

في حيرة من أمرنا

هالة القحطاني

نشر في: آخر تحديث:

نعلم جيدا بأن أغلب القطاعات والوزارات تعمل الآن باجتهاد في برامج ومبادرات تطويرية، تهدف إلى الارتقاء بالأعمال والخدمات، لاستيعاب المرحلة القادمة التي فرضتها متطلبات الرؤية. أثناء تلك العملية من المتوقع أن تحدث بعض الأخطاء إن لم يكن الكثير، والذي نطمح أن يصحح فورا، دون مكابرة أو تجاهل من الفريق الذي يعمل عليه. فبحلول عام 2020 ستكون هناك مراجعة ومحاسبة تشمل جميع الجهات التي قطعت وعودا أمام الدولة، لتحقيق مشاريع وبرامج، وضعت لها معايير قياس، ووثقتها في مستندات ودعاية وإعلانات.

والحقيقة النقد في هذه الفترة ليس بالأمر السيئ، إذا نظرنا إليه من زاوية من يتلقى الخدمة في النهاية، ولكن الأكثر سوءا أن يستمر الفرد بالتعزيز لقطاع أو وزارة ما زالت تقدم خدمات رديئة ودون الطموح، من أجل أن يرضي شخصا تربطه معه مصالح، أو لمجرد أنه يأبى التخلي عن فكره النمطي أو التقليدي على سبيل المثال.

لذا أرى أن النقد الموضوعي أول بأول سيعطي فرصة أكبر لمراجعة الخطط، وإعادة الحسابات مرة إضافية، ففي النهاية، جميع الأطراف، لا تريد إضاعة مزيد من الوقت والمال، بل ننتظر أن تسهم تلك القطاعات في تغيير طريقة أداء موظفيها، بتطبيق الأنظمة الجديدة باحترام، تماشيا مع أنظمة الدولة، في تسهيل سبل العيش والعمل للمواطن. ولا يمكن أن يتحقق هذا التغيير الجذري، وبعض أفرع الوزارات خارج المدن الثلاث الرئيسية، ما زالت تُبقي على أنظمتها الداخلية القديمة، وتذود عنها كالكتاب المقدس، وحين تُحدّث لهم معلوماتهم على سبيل المثال، يبررون امتناعهم عن تطبيق الأنظمة المُحدّثة، بأنه لم يصلهم تعميم بها!

والأمر الذي عجزنا أن نفهمه، حين اعتبر حساب المواطن، راتب الزوجة (الأم العاملة)، من ضمن إجمالي دخل الأسرة، وحمّلها بشكل «متمدن» وغير مباشر، مسؤولية الإنفاق على المنزل. في نفس الوقت، الذي ما زالت فيه مؤسسة النقد لا تجيز لنفس الأم فتح حساب بنكي لأبنائها. فإذا قررت أي أم متزوجة أن تفتح حسابا بنكيا لأبنائها عليها أن تحضر الأب أو موافقة من المحكمة، يخولها بفعل ذلك، بحكمه ولي أمر، وكأن وجودها كأم لا قيمة له!

وهذا ما تكرر مع كثير من الأمهات، فحين ترغب المرأة أن تستقطع مبلغا من راتبها الشهري لتدخر لأبنائها مبلغا ينفعهم في المستقبل لا تستطيع، حتى إن أحضرت تعريفا من مقر عملها بالراتب وبالدخل السنوي، وبطاقة الهوية، وسجل الأسرة الخاص بها، وشهادات ميلادهم، سيقابل طلبها بالرفض لأنها في عُرف مؤسسة النقد ليست ولية أمرهم، فمن هي إذن لا ندري، بل في كثير من الحالات يطلب البنك صك حضانة أو إثبات بأنها تعيلهم، أو موافقة من ولي الأمر «الأب» فقط.

وقبل أن أكتب هذا المقال تأكدت بنفسي بأن تعليمات مؤسسة النقد للبنوك لا تجيز للأم أن تفتح حسابات لأبنائها القصر في الأحوال العادية، إلا إذا كان لديها مشكلة اجتماعية، وحصلت على صك ولاية أو وصاية عليهم. وكأنها بذلك تقول بأنه لا يحق للأم العادية التصرف في شؤون أبنائها، إلا إذا كانت مطلقة أو أرملة، أو لديها صك من المحكمة يخولها فيه زوجها.

وفي عُرف القانون، من يملك الوصاية أو الولاية على القاصر، يصبح له الحق في فتح حساب بنكي باسم القاصر، سواء كان الأب أو الأم أو غيرهما، لأن في الأصل الوصاية للأب، إلا إذا كان فاقدا الأهلية أو غير صالح للوصاية. وهذا الأمر لا خلاف عليه، ولكن في هذا الزمن أصبحت الأم تقوم بمسؤوليات كثيرة مع الأب وأحيانا أكثر منه، وإن مكنتها الدولة من إنهاء معاملاتها دون ولي أمر، ومنحت وزارة الداخلية الأمهات حق إصدار بطاقة أسرة تحمل أبناءها، واحتسبت وزارة العمل راتبها في حساب المواطن، وهم يعرفون أن الإنفاق من واجب الزوج، وهم يعرفون أيضا، أن وزارة العدل تجبر الأزواج في حالة الطلاق بالنفقة، حتى لو كانت الأم عاملة، فكيف تظل مؤسسة النقد لا تجيز لها فتح حسابات لأبنائها، ولم تحدث أنظمتها لتتماشى مع التغيرات في الدولة.

لذلك نكرر ونطالب بأن تغير مؤسسة النقد أنظمتها المتعلقة بالأمهات، ليصبح من حق أي أم أن تفتح حسابا مصرفيا لأبنائها، وتتحكم به إن كانت هي من تموله، ويستطيع الأب فعل ذلك، سواء كان الأبوان متزوجين أو مطلقين، وتستطيع مؤسسة النقد أن تضمن أثناء تحديثها مصلحة صاحب الحساب «الابن»، إلى أن يبلغ السن القانونية، ولكن هذا التضارب الغريب والمتناقض بين وزارات فيما يسمح به من أنظمة وإجراءات، وما لا يسمح به للأم، وضعنا في حيرة من أمرنا.

*نقلاً عن صحيفة "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.