.
.
.
.

تخيل.. لم يتقدم أحد للوظيفة

جمال بنون

نشر في: آخر تحديث:

من أهم المشكلات التي تواجهها سوق العمل في اليابان، منذ سنوات ليست قصيرة، نقص الباحثين عن الوظائف وتقلص أعداد العاملين، مع زيادة عدد المسنين، الأمر الذي بدأ يشكل قلقاً للحكومة، لحاجتها إلى شغل بعض الوظائف والمهن، لتغطية حاجة البلاد من نقص العمالة، وعلى رغم أن الحكومة اليابانية لديها قوانين صارمة، إلا أنها اضطرت إلى إصلاحها لتلبية حاجة قطاع البناء، وهي المرة الأولى التي وصل عدد العمال الأجانب في اليابان إلى مليون عامل، معظمهم من الصين، الذين يشكلون الغالبية العظمى من الأجانب، يليهم الفيتناميون والفيليبينيون، فمن بين الشروط التي كانت تتعامل معها اليابان مع العمالة الأجنبية أنها جعلته «عملة صعبة»، من حيث الرسوم والضرائب والراتب، وغيرها من المزايا، هذه القوانين أجبرت القطاع الخاص والشركات في اليابان على أن يفضّل التعامل مع المواطن الياباني بدلاً من تحمل تكاليف ومبالغ باهظة فيما لو أحضر عاملاً أجنبياً.

اليوم، تراجع الحكومة اليابانية قوانينها بخصوص الهجرة والإقامة لاستقبال ممرضين ومسعفين في قطاع الصحة، إذ اشترطت منع دخول العمالة غير الماهرة، وتوسيع نظام المتدربين، الذي يهدف إلى نقل التقنية إلى الدول النامية. هذه الإجراءات الصارمة وضعت اليابان ضمن الصفوف المتقدمة في مجال الصناعة والتقنية، وتقف نداً لند في مواجهة الولايات المتحدة بوصفها قوة اقتصادية، وتنافس عملتها في أكبر البورصات العالمية، فإذا انخفضت أو ارتفعت اهتز معها قلب العالم، فمن غير المقبول أن تتنازل عن مواطنيك بحجة رواتب منخفضة وعمالة غير مهنية، كما يحدث الآن في دول الخليج، بحجة أن سوق العمل مفتوحة والبقاء للأرخص. وعلى رغم الإجراءات التصحيحية التي بدأتها بعض دول الخليج منذ سنتين، ضمن رؤية وطنية شاملة مرتبطة بتاريخ محدد، فإن موضوع توطين الوظائف يسير بوتيرة بطيئة لا تبشر بخير، على مد البصر لا تبصر ضوءاً في آخر النفق، بعض بلدان الخليج بلغ عدد الوافدين ما نسبته 80 و70 في المئة، كما هو حاصل في الإمارات والكويت وقطر، وفي البحرين وعمان بنسبة 50 في المئة، أما السعودية فوصلت إلى 35 في المئة، ومع ذلك لا تأخذ الحكومات الخليجية هذا الموضوع على محمل الجد، وتابعوا الصحف المحلية كيف يتم إعلان التنازل للعمالة، وبخاصة خدم المنازل والسائقين، بعضهم يستقدم عمالة ويبيعهم لشخص آخر قبل أن يستخرج لهم الإقامة، فتحول العامل الوافد إلى عملة صعبة، تتم المضاربة عليه بالأسعار، إذ وصلت أسعار التنازل عن العمالة إلى 35 ألف ريال، من دون أن يصدر منع بعدم نشر مثل هذه الإعلانات، أو معاقبة الأفراد! كما توجد سوق سوداء لبيع التأشيرات في شكل معلن، طالما أن العقوبات غائبة، ولا تفعل السلطات العمالية أية رقابة. قبل أسبوعين أعلنت السلطات العمالية في السعودية اقتصار العمل في 12 نشاطاً، مطلع العام الهجري المقبل، على السعوديين، وكل الوظائف التي أعلنتها وزارة العمل منذ سنوات قليلة لفتحها أمام أبنائها وبناتها كانت من الوظائف البسيطة والسهلة متدنية الأسعار، لا تتجاوز مدخولاتها الشهرية 6 آلاف ريال، وبالكاد يدفعها القطاع الخاص، لولا إسهام صندوق الموارد البشرية في تحمل 50 في المئة منها.

في حين أن الوظائف الجديدة، التي أسندت إلى السعوديين ستوفر نحو 200 ألف فرصة عمل، وهي محال السيارات والدراجات النارية، والملابس الجاهزة وملابس الأطفال والمستلزمات الرجالية، والأثاث المنزلي والمكتبي الجاهز، والأواني المنزلية، والأجهزة الكهربائية والإلكترونية، والساعات، والنظارات، والأجهزة والمعدات الطبية، ومواد البناء والإعمار، وقطع غيار السيارات، والسجاد بأنواعه كافة، والحلويات، ومجمل هذه الأنشطة التجارية تسيطر عليها ثماني جنسيات، وهي: اليمن، وبنغلاديش، والأردن، ومصر، وباكستان، والهند، وسورية، وتركيا، وهي من الجنسيات التي تتصدر الـ10 الأوائل المسيطرة على سوق المهن من 92 مهنة يتعامل معها السعوديون يومياً، وفق تقرير نشر في 2016، لمركز cms للاستشارات والدراسات، ووفق التقرير فإن محال الملابس كانت تسيطر عليها ست جنسيات، ومواد البناء والأجهزة الكهربائية والأواني المنزلية كانت تسيطر عليه خمس جنسيات، وهي باكستان، وبنغلاديش، ومصر، واليمن، والهند، أما سوق الحواسب فهي محتكرة من ثلاث جنسيات، هي: الهند، ومصر والأردن، بينما ظلت سوق السجاد والمفروشات ما بين اليمنيين والأفغان والباكستانيين، أما الحلويات فتقاسمتها العمالة السورية والأردنية، وسوق المعدات الطبية احتكرتها ثلاث جنسيات، هي مصر والأردن والهند. سوق العمل في دول الخليج، مع التقادم وعدم منح فرص العمل للمواطنين وجعلها عملة صعبة لا يمكن التعامل معها، مُنحت للأخوة الوافدين على طبق من ذهب، ولعدم وضع ضوابط جعل بعض المنتجات تحت رحمة احتكار بعض الجنسيات، سواء التحكم في الأسعار والتلاعب في السوق، أم جعلها مغلقة لأية فرصة عمل للمواطنين.

قرار التوطين في المهن الجديدة سيكون مطلع العام الجديد، وهي فرصة لكثير من المؤسسات والشركات لتأهيل السعوديين وتدريبهم وتقليص نسبة التحويلات الخارجية، التي تصل إلى 150 بليون ريال سنوياً، وعلى رغم أن السلطات بدأت مطلع العام الميلادي الحالي فرض ضرائب ورسوم على الوافدين وأسرهم، فإن هذه الخطوات غير كافية، فعدد من الشركات أعلنت رغبتها في تحمل هذه الرسوم.

أمام السعوديين مشوار طويل حتى يصلوا إلى مستوى اليابانيين، في عدم الإقبال على الوظائف التي تطرحها الشركات أو المؤسسات الحكومية، حين تقف مشاريع ريادة الأعمال والمؤسسات الصغيرة على قدميها، من دون معوقات أو بيروقراطية ورسوم عالية ومبالغ باهظة لاستخراج التراخيص مع انخفاض أسعار العقار، وإذا ما استمرت الحال هكذا، فإن أي وظيفة ستطرحها الشركات سيلتهمها الباحثون عن العمل، ويضطروا مرغمين إلى الموافقة حتى وإن كانت الرواتب متدنية لا تفي بالحاجة، على رغم ارتفاع الأسعار في مختلف المجالات، كي لا ينضم إلى الرقم الصعب في عدد البطالة.

* نقلا عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.